رأي

الجدل حول أزمة اليسار التونسي: الاعتراف بفاعلية الناس دون الاعتراف بأهليتهم لإنتاج المعنى

قراءة في أحد عشر نصًا من ملف "الشعلة"

 

قراءة في أحد عشر نصًا من ملف “الشعلة”

محمد بن جماعة  كاتب تونسي مقيم بكندا

كنت قد كتبت في مساهمة سابقة تعليقًا على خمسة نصوص فتحت النقاش حول أزمة اليسار التونسي في أوت 2026، وهي نصوص حمة الهمامي وأيمن العلوي وطارق الكحلاوي وفوزي بن عبد الرحمن، وتعليق حبيب بوعجيلة. ثم صدر بعد ذلك ملف على حساب مجلة “الشعلة – Echoola” على فايسبوك، جمع أحد عشر نصًا لمناضلين وكتّاب ينتمون إلى عائلات يسارية مختلفة، ورتّبها أصحابه أبجديًا بأسماء كاتبيها، واختاروا أن يحجبوا موقفهم الخاص إلى حين. وتقرأ هذه المساهمة الملف في مادته الجديدة.

يضم ملف “الشعلة” ثلاثة نصوص من الجولة الأولى، وهي نص أيمن العلوي ونص طارق الكحلاوي ونص حمة الهمامي مرفقًا بملحق لم يكن منشورًا في حينه يردّ فيه على بعض التفاعلات معه. ويضم معها ثمانية نصوص أخرى، هي بيان حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني في أربعة أجزاء، ونصوص رياض الشرايطي وزياد لخضر وطارق الشيباني وطارق الشامخ وفريد العليبي ومنور السعيدي ومحمد الطاهر الشامخي.

ويمثل مجرد وقوع هذا النقاش حدثًا في حياة سياسية صار فيها الاعتراف بالفشل أشد صعوبة من الفشل نفسه.

مستويات النقاش

لا تشتغل هذه النصوص كلها على المستوى نفسه. فمنها ما انشغل بأزمة التنظيم والفاعلية، كنص أيمن العلوي القيادي في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد والنائب السابق عن الجبهة الشعبية، وهو يدعو إلى الاعتراف بالهزيمة وإلى بناء منظمة حديثة محترفة؛ ونص رياض الشرايطي، وهو يساري تجديدي يكتب من زاوية إنسانية ينتقد فيها النقاء العقائدي واختزال الإنسان في موقعه الطبقي، ويدعو إلى مصالحة بين الأجيال وإلى بناء القوة في الأحياء ومواقع العمل؛ ونص طارق الشيباني، وهو يساري نقابي ينشر في جريدة الشعب لسان حال اتحاد الشغل، ويعيد تعريف العامل في زمن العمل الهش ورأسمالية المنصات.

ومنها ما انشغل بمراجعة تجربة الجبهة الشعبية، كنص حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال، وهو يدافع عن حق الشعب في تقييم العشرية ويحمّل مسؤوليتها للأحزاب التي حكمت بأغلبية مريحة؛ وبيان حزب الوطد الثوري الماركسي اللينيني، وهو نص حزبي جماعي لا نص كاتب فرد، صدر عن تنظيم انفصل مبكرًا عن الجبهة الشعبية، فقلب الاتهام على قيادتها وعدّد وقائع مؤرخة من جبهة الإنقاذ إلى الحوار الوطني إلى القائمات البلدية المشتركة.

ومنها ما انشغل بطبيعة الثورة والدولة والمسار السياسي، كنص طارق الشامخ، وهو ماركسي ثوري يكتب من موقع مستقل عن الأحزاب التي ينقدها ويقترب من تقاليد التنظيم الذاتي والمجالس، ويعتبر ما جرى مسارًا ثوريًا أُجهض بفعل فاعل جاء اتحاد الشغل في مقدمة أدواته؛ ونص فريد العليبي، وهو أستاذ فلسفة ومفكر ماركسي يقرأ ظاهرة قيس سعيّد بأدوات شميت وكيلسن وغرامشي وبولانتزاس وابن رشد وابن خلدون؛ ونص محمد الطاهر الشامخي رئيس المجلس المركزي لحركة تونس إلى الأمام، وهو يدافع عن تسمية العشرية السوداء ويردّ على برنامج حزب العمال للمرحلة الانتقالية بندًا بندًا.

ومنها ما بلغ مسألة الوعي والمعيار، كنص زياد لخضر الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، وهو يتحدث عن المعيار الذي يمنح الشعارات معناها؛ ونص منور السعيدي، وهو ماركسي ثوري يجادل من موقع طبقي صريح، ويدافع عن استقلال الأحزاب اليسارية وعن العمل الجبهوي دون اندماج، ويردّ الأزمة إلى الطبقات لا إلى الاحتراف.

وأتناول في هذه المساهمة المستوى الأخير، لأنه يفسّر المستويات الثلاثة الأخرى. فسؤال التنظيم يتوقف على ما إذا كان التنظيم أداةً تعبّر عن المجتمع أم جهازًا يصحّح وعيه، وسؤال انهيار الجبهة يتوقف على ما إذا كان الخلاف السياسي اختلافًا في التقدير أم انحرافًا عن حقيقة يملكها طرف واحد، وسؤال الثورة يتوقف على ما إذا كانت الجماهير قد صنعت وعيًا وتنظيمًا ذاتيين أم كانت تنتظر قيادة تمنحهما الاتجاه.

من المقال الأول إلى السؤال الجديد

كتبت في المساهمة السابقة، وعنوانها “حين انفصل العدل عن الهوية — لماذا اغترب اليسار التونسي عن الفئات التي أراد تمثيلها؟” (https://mbenjemaa.com/articles/hina-infasal-al-adl-an-al-hawiyya/)، أن أزمة اليسار التونسي لا تكمن في تخلّيه عن العدل، وإنما في أنّه فصل العدل عن الهوية؛ فقد عرف مظالم الفئات الشعبية ولم يعرف دائمًا عالمها، وحمل مطالبها ولم يحمل ذاكرتها وانتماءها ومصادر معناها.

وقد كتبتها من موقع يساري ديمقراطي اجتماعي متصالح مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، لا باسم أي من العائلات التنظيمية المتجادلة.

ويبقى ذلك وصفًا للحالة. أما السؤال الذي يفرضه فهو: كيف يستمر هذا الانفصال لدى من أعلن أنه يريد الذهاب إلى المجتمع والتعلم منه؟ فقد دعا أكثر من نص في ملف “الشعلة” إلى الإصغاء وإلى نقد الوصاية، ومع ذلك ظل عالم الناس الديني والأخلاقي خارج الصورة في النصوص جميعها. فإن لم تكن المسألة نقص انتباه يُستدرك مع الوقت، فثمة ما يجعل الإصغاء المزعوم يتوقف عند حد بعينه.

المراجعة التي حدثت

تبيّن نصوص ملف “الشعلة” أن مراجعة حقيقية للتصور الطليعي القديم قد حدثت عند بعض أصحاب هذه النصوص.

فطارق الشيباني يدعو صراحة إلى قطيعة مع ما يسميه الوصاية الحزبية الفوقية التي تنزل بأيديولوجيا جاهزة لتوعية الجماهير، ويقابلها بالتعلم من أشكال مقاومتها اليومية المبتكرة. ويبني دعوته على قراءة في تحوّل العمل نفسه، إذ لم يعد العامل صاحب البدلة الزرقاء في المصنع، بل صار أيضًا سائق تطبيق توصيل وعاملًا مستقلًا وعاملًا في القطاع غير المنظم.

ويذهب طارق الشامخ أبعد من ذلك، فيتهم اليسار مباشرة باحتقار التنظّم الذاتي للجماهير في لجان حماية الأحياء ونعته بالعفوية وانعدام الوعي السياسي، ويردّ ذلك إلى أن هذا التنظّم يفضح سرديته عن التنظيم المنقذ الآتي من خارج حركة الجماهير. ثم يحصي ما أنتجته تلك الجماهير من شعارات وأشكال دعاية وتحريض، ويتحدث عن ينابيع الذكاء الجماعي، ويسجّل تحوّل قيم الناس نحو التآزر والتعاون والحماية المشتركة.

أما منور السعيدي، فيظل في متن نصه قريبًا من التصور الكلاسيكي حين يجعل مهمة التنظيم تحويل الموقع الموضوعي إلى وعي، ثم ينتهي في خاتمته إلى صيغة تنقض ذلك التصور، إذ يرى أن البداية ليست من منظمة تدّعي أنها تمثل الجماهير، بل من جماهير تبدأ في تنظيم نفسها.

وتصل هذه المواقع الثلاثة المتباعدة إلى النتيجة نفسها. ولكن هذه النتيجة لا تحظى بإجماع يساري؛ فحمة الهمامي يتحدث عن نشر وعي مضاد في صفوف الشعب، وبيان حزب الوطد الثوري يقوم على امتلاك الخط الصحيح ومحاسبة من خالفه، ومحمد الطاهر الشامخي يستعيد التراتبية اللينينية في الانتقال من الطبقة في ذاتها إلى الطبقة لذاتها، ويجعل من مهمات المثقفين الارتقاء بالوعي الطبقي.

على أن مَن راجع فكرة الوعي النازل مِن فوق، ومَن تمسّك بها، يقفان معًا عند حدّ واحد، وهو أنهما يعترفان للناس بإنتاج نضالهم ولا يعترفان لهم بإنتاج معناه.

من فاعلية الناس إلى معنى أفعالهم

توقفت المراجعة المذكورة عند حدّ دقيق. فقد اعترفت هذه النصوص للناس بالفاعلية، أي بأنهم ينتجون أشكال تنظيمهم ويبتكرون أدوات مقاومتهم ويستطيعون أن يبدأوا الحركة قبل أن يأتيهم حزب. ولكنها لم تمتد بالقدر نفسه إلى الاعتراف بأهليتهم للمشاركة في إنتاج المعنى، أي في تعريف ما يفعلونه ولماذا يفعلونه، ومن أين يستمدون تصورهم عن العدل والظلم والكرامة.

فطارق الشامخ يحصي القيم التي انبثقت في تلك اللحظة، وهي التآزر والتعاون والحماية المشتركة وانقشاع الأنانية، ولكنه لا يسأل من أين جاءت هذه القيم إلى أهل الأحياء الشعبية، ولا يذكر أن جزءًا منها يأتي من عالم أخلاقي وديني متوارث. وهو لا ينكر ذلك صراحة، ولذلك تقف ملاحظتي عند حدود نصه، وهي أنه أعاد إلى الناس فاعليتهم ثم وصف ما أنتجوه كله من داخل قاموسه الثوري وحده.

ويقترب نص رياض الشرايطي أكثر من غيره من فكرة الإنسان الكامل، إذ يقول إن الإنسان ليس أجيرًا فقط، بل هو أيضًا جسد وذاكرة وحب وخوف وحلم وكرامة. وتقف العبارة قبل الإيمان بخطوة واحدة. فقد اتسعت صورة الإنسان عنده اتساعًا حقيقيًا، ولكنها توقفت دون أحد أكبر مكونات عالم الإنسان التونسي، وهو المعتقد الديني.

ويدعو أيمن العلوي إلى منظمة تذهب إلى المجتمع وتتعلم منه وتعمل داخله، ولكنه لا يحدد ما الذي يمكن أن تتعلمه منه خارج لغته ومطالبه وأشكال تنظيمه، ولا يصل بالسؤال إلى إمكان أن يحمل المجتمع نفسه موارد أخلاقية وثقافية تعيد تشكيل تصور اليسار للعدل. فالمجتمع يحضر عنده شريكًا في الفعل، ولا يحضر شريكًا واضحًا في إنتاج المعنى.

وما يظهر عند هؤلاء في صورة غياب، يظهر عند غيرهم في صورة تصريح.

فزياد لخضر يصوغ المسألة في أدق صورها من حيث لا يقصد، إذ يقول إن بعض اليساريين احتفظوا بألفاظ الثورة والعدالة والتحرر بعد أن تبدّل المعيار الذي يمنحها معناها، وإن المضطهدين نسوا المعيار الذي كانوا يقيسون به تحررهم. ثم يترك السؤال معلقًا: من ينتج هذا المعيار؟ وهل يحتفظ به التنظيم الثوري نيابة عن المضطهدين، أم ينتجه المضطهدون من داخل تجاربهم وقيمهم وذاكرتهم؟

ويقدّم منور السعيدي صورة التوتر نفسه في نصّ واحد، فيقول إن الناس لا يكتشفون إمكان تغيير المجتمع من خلال المكاسب وحدها بل من خلال الصراع نفسه، وإن التنظيم مدرسة سياسية تحوّل التجارب اليومية إلى وعي بمصادر الاستغلال. أي أن التجربة للناس والتفسير للتنظيم.

فاليسار في هذه النصوص يسمع الناس حين يتكلمون بوصفهم عمالًا ومعطلين ومحتجين ومهمشين، ولكنه يتردد في سماعهم بوصفهم مؤمنين وأصحاب ذاكرة دينية وجماعات أخلاقية. وتكمن المسألة في معيار الفرز الذي يحدد سلفًا ما يصلح من كلامهم للسياسة وما يُدفع إلى هامش الخصوصية الثقافية.

انفتاح انتقائي يتوقف عند الدين

اتسع قاموس اليسار التونسي فعلًا، كما يظهر في ملف الشعلة. فقد صار يتحدث عن الحريات والديمقراطية، وعن حقوق النساء والتمييز، وعن البيئة بوصفها قضية طبقية، وعن السيادة الوطنية، وعن الذاكرة والكرامة والأجيال، وعن أشكال العمل الجديدة. فلم يعد قاموسًا ضيقًا لا يرى إلا الطبقة.

ولكن هذا الاتساع توقف عند الدين تحديدًا، ولذلك سببٌ يتجاوز جمود الأداة. فقد دخلت القضايا الأخرى القاموس لأنها بدت امتدادًا لمنطق التحرر نفسه، إذ يمكن أن يُقرأ تحرر المرأة وحماية البيئة والدفاع عن الحريات والسيادة حلقاتٍ في السلسلة ذاتها. أما الدين فقد شغل، في جانب واسع من التقليد اليساري الذي تصدر عنه هذه النصوص، موقعًا في الخانة المقابلة، أي خانة ما ينبغي التحرر منه أو تحييده، لا موردًا يمكن أن يرفد مشروع التحرر. ولذلك لم يكن إدماجه مسألة توسيع قاموس، بل مسألة نقض تصنيف مؤسِّس. وهو تصنيفٌ محكومٌ بنموذج يعقوبي كلاسيكي مغلق، يتجاهل حتى في إطار الماركسية النقدية والتحررية تجارب عالمية رأت في الدين طاقة احتجاج وشحنة طوباوية للعدل؛ كما تجلّى في لاهوت التحرير اللاتيني، أو في تنظيرات إرنست بلوخ وفالتر بنيامين حول المعنى الثوري الكامن في الذاكرة الدينية للمضطهدين.

وتظهر آثار هذا التصنيف في الملف بثلاثة أشكال.

فمحمد الطاهر الشامخي يصنّف قسمًا واسعًا مما جرى في العشرية تحت عنوان الوعي الزائف، ويضع في أمثلته صراعات الهوية واللباس التقليدي وطقوس الاحتفال بالمناسبات الدينية، فيصير التدين الشعبي نفسه جزءًا من آلية إلهاء لا موردًا لأي معنى.

وأما طارق الكحلاوي، وهو يعرّف موقعه في نصه بأنه ديمقراطي اجتماعي ويكتب من خارج العائلتين الماركسيتين التاريخيتين، أي حزب العمال والوطد، فيبدو الأكثر وعيًا بالمسألة في الملف كله؛ إذ يشير إلى الاغتراب الثقافي الذي يفصل كوادر اليسار عن الحساسية الدينية في الأوساط الشعبية، وإلى الخلط بين يمينية التيارات الإسلامية في القضايا الاقتصادية والثقافة الدينية القوية في الأوساط المعنية بمطالب يسارية، ثم يضع المسألة في آخر نصه بوصفها حاجة إلى مراجعة شجاعة في قضايا الديمقراطية والهوية الثقافية، أي بوصفها بندًا مؤجلًا لا مدخلًا.

وأما بقية النصوص فإما تصمت عن الدين، وإما تذكره عنصرًا في الصراع السياسي أو مسألة هوية، لا موردًا أخلاقيًا يمكن أن يسهم في تعريف العدل والصالح العام.

ولا يصدر هذا الغياب عن مدرسة واحدة، بل يظهر بدرجات مختلفة عند الوطنيين الديمقراطيين والماركسيين اللينينيين، وعند اليسار النقابي والمجالسي والديمقراطي الاجتماعي، وعند معارضي مسار 25 جويلية ومؤيديه. وتفصل بين هذه المواقع خصومات تبلغ حد التخوين، وخلافات تمس تعريف 25 جويلية نفسه، إذ يسميه الهمامي انقلابًا، ويراه محمد الطاهر الشامخي استجابة لهبة شعبية، ويرجّح العليبي أن ظاهرة سعيّد لا تزال أقرب إلى القيصرية التقدمية. ولا يمكن أن يُفسَّر تشابه بهذا الحجم بين مواقع متعارضة إلى هذا الحد بخط حزبي ولا بموقف ظرفي.

ويظل هذا التصنيف فاعلًا حتى بعد أن يتخلى صاحبه عن التصور الطليعي. فمن راجع فكرة الوعي النازل من فوق وسلّم بأن الجماهير تنظم نفسها، ظل يقرأ ما تنتجه من قيم بمعيار واحد، إذ يُثمَّن ما يُترجم إلى لغة الصراع، ويمرّ ما لا يُترجم دون تسمية. وهكذا بقي العدل منفصلًا عن الهوية حتى عند من لم يعد يدّعي احتكار الوعي.

ولا يعني الاعتراف بعالم الناس الديني والأخلاقي التسليم بكل ما يحمله المجتمع، ولا إحلال الهوية محل الطبقة، ولا منح المجتمع عصمة معرفية. ففي المجتمع جهوية وأبوية وخرافة وتبرير للخضوع، كما فيه تكافل وإحساس بالظلم وكرامة. والمطلوب أن تخرج القيم والمعاني من وضع المادة الخام التي يفسرها التنظيم وحده، وأن تدخل في حوار نقدي متبادل يستطيع فيه كل طرف أن يغيّر الآخر. فالتكافل مورد أخلاقي يمكن أن يُبنى عليه مشروع اجتماعي، والوصاية على المرأة يمكن أن تُنقد من داخل القيم الدينية والأخلاقية التي يحتضنها المجتمع، كما يمكن أن تُنقد بمعايير الحرية والمساواة والخبرة الإنسانية المشتركة. فليس المطلوب أن يُغلق المجتمع داخل مرجعيته، بل أن تدخل مرجعياته نفسها في حوار نقدي متكافئ. وبهذا يفترق هذا الطرح عن الدعوة الهوياتية.

مفارقة التجسيد والتوعية

يقدّم فريد العليبي في الملف قراءة لظاهرة قيس سعيّد يستبعد فيها فرضيتي الدولة العميقة واليد المغلولة، وينتهي إلى أن الرئيس هو الفاعل الفعلي في ظل حلقة ضيقة. وهو يقترب من مسار 25 جويلية ويرجّح أن تكون الظاهرة قيصرية تقدمية بالمعنى الغرامشي، ومع ذلك يسجّل عليها انعزالها عن قوى التقدم وعدم إصغائها إلى صوت تونس العميقة صانعة الثورات والانتفاضات. أي أن النقد بعدم الإصغاء يأتي هنا من أقرب الأصوات إلى المسار لا من خصومه.

ويشترك من يدّعي تجسيد الشعب ومن يدّعي توعيته في أنهما لا يسمعان منه إلا ما يعرفانه سلفًا. فالطليعة تقول إنها تعرف المصلحة الحقيقية للشعب، والشعبوية تقول إنها تجسّد إرادته الحقيقية، ويختلفان في مصدر الشرعية ويتفقان على إلغاء المسافة بين الادّعاء وصوت الناس الفعلي. ولذلك لم تكن الشعبوية، في هذه النقطة، نقيضًا كاملًا للطليعية، بل أعادت إنتاج البنية نفسها بصيغة أخرى، واحتلت المساحة الرمزية التي تركها اليسار فارغة. ولم تحتل تلك المساحة بأداة سياسية مجردة، بل استثمرت بدقة في المعجم الأخلاقي والرمزي للشارع — من مفاهيم الاستقامة، والبركة، وقاموس العدل القرآني — وهو الرصيد الدلالي الذي طالما تعامل معه اليسار كفلكلور هامشي أو وعي زائف، فإذا به يصبح الرافعة التعبوية الأكثر شراسة ضده.

امتحان الإصغاء المتبادل

يمكن أن يُختصر ما سبق في سؤال يصلح معيارًا لكل مشروع مقترح في هذا النقاش، أيًا كان صاحبه: هل فيه آلية يستطيع المجتمع بها أن يغيّر تصور التنظيم نفسه، أم أن آلياته كلها موجهة إلى تغيير أفكار المجتمع؟

فحين يمدّ المجتمعُ التنظيمَ بالطاقة والقاعدة والأمثلة والأصوات وحدها، يبقى الإصغاء المعلن تحصيلًا للمعلومات لا مشاركة في المعنى، مهما بلغت حرارة اللغة عن الذهاب إلى الناس. وحين يتسع المشروع لأن يعود التنظيم من عند الناس بغير ما ذهب به، تبدأ علاقة أخرى.

ويتصل هذا السؤال مباشرة بمسألة الديمقراطية الداخلية التي أثارها طارق الكحلاوي حين لاحظ أن الجناحين ظلا يكوّنان كوادرهما بمراجع نظرية شمولية، فبقيت اللغة الديمقراطية قشرة فوق تكوين لا يستبطن التعددية. فالديمقراطية الداخلية ليست مسألة إجرائية تخص تداول المسؤوليات، وإنما هي الوجه الداخلي للمسألة نفسها. فالتنظيم الذي لا يحتمل أن يغيّره رفاقه لن يحتمل أن يغيّره مجتمعه، والذي يقرأ الخلاف في صفوفه انحرافًا طبقيًا سيقرأ اختلاف الناس عنه نقصًا في الوعي. ويقدّم بيان حزب الوطد الثوري النموذج الصافي لهذه البنية، إذ لا يعود الخلاف فرصة للمراجعة حين تكون الحقيقة السياسية مكتملة سلفًا، بل يصير علامة على الخيانة.

خاتمة

لقد بدأ الإصغاء إلى نضال الناس فعلًا في جزء من اليسار التونسي، وهي بداية تُحسب لأصحابها، غير أن الطريق لم يكتمل بعد، لأن الاعتراف للناس بأنهم يصنعون نضالهم شيء، والاعتراف لهم بأنهم أهل لأن يصنعوا معناه شيء آخر.

فالإنسان الذي يخرج إلى الشارع لا يخرج بموقعه في علاقات الإنتاج وحده، وإنما يخرج معه بذاكرته وأسرته وحيّه وبما تعلّمه في كل ذلك عن الحلال والحرام والرزق والظلم والصبر والكرامة، فيصوغ من هذا الرصيد كله فهمه لما يستحقه ولما يُسلب منه. ومن أراد أن يمثّله تمثيلًا فعليًا، لا أن يتحدث باسمه، فعليه أن يقبل أن هذا كله ليس ضجيجًا يحيط بالقضية، وإنما هو جزء منها، بل هو المكان الذي تولد فيه.

ولا يقوم هذا كله مقام برنامج في الأجور والخدمات العمومية والعدالة الجبائية والتنمية الجهوية، فتلك تبقى مادة السياسة وميدانها الذي لا بديل عنه؛ غير أن المفاهيم الشعبية عن “الرزق” و”الحلال” و”الإنصاف” ليست أفكاراً تجريدية بل هي الترجمة الأخلاقية المباشرة لحماية المرفق العام وحق الأجير في عيش كريم. إن الاعتراف بهذه المعاني هو الشرط الذي يجعل البرنامج التقدمي يجد من يصدّقه، ويتحول من وثيقة تقنية باردة إلى قضية حية يتبناها الناس ويدافعون عنها.

ولن يستعيد اليسار موقعه بأن يصير أكثر احترافًا في مخاطبة الناس، وإنما يستعيده يوم يقبل أن يذهب إليهم فيعود من عندهم بغير ما ذهب به، وأن يكون قابلًا للتغيّر بهم بقدر ما هو مشغول بتغييرهم.

كاتب

admin

محمد بن جماعة كاتب تونسي مقيم بكندا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى