الأخباروطنية

المرزوقي: عندما كنا نقاوم الاستبداد قيس سعيد كان مختبىء ولم يظهر إلا لطعن الديمقراطية

الاعتماد على الجولات الفردية أو الرمزية في الحكم أقرب إلى الاستعراض السياسي منه إلى آلية فعلية لصنع القرار

نشر الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي تدوينة مطولة على منصة “إكس” جاءت في شكل قراءة سياسية–فكرية موسعة لأزمة الحكم في تونس، وربطت بين الحاضر السياسي والسياق الثقافي والتاريخي الأوسع لفهم ظاهرة السلطة في العالم العربي والإسلامي.

وانطلق المرزوقي في تدوينته من سؤال مركزي حول ما اعتبره “كارثة” مرتبطة بنمط الحكم الحالي،  أن يخرج رئيس دولة في مدينة بمئات الآلاف وشوارع مضاءة وفي عصر طفرة المعلومات والإنترنت والكاميرات المبثوثة في كل مكان وأجهزة الاستخبارات التي ترصد كل شيء ويجد الرئيس على مكتبه تقاريرها كل صباح فأمر مضحك لا غير في اشارة الى الزيارات التي يقوم بها قيس سعيد.

‏‎و قال المرزوقي أن يخرج عمر بن الخطاب ليلا في قرية لا يزيد عدد سكانها على بضع مئات في أزقة مظلمة وفي ظروف مجاعة ليتأكد من وجود الأمن ولا من يموت جوعا على قارعة الطريق، فأمر يفهم.

مشيرا إنه تصرف بسخافة حاكم يتواصل مع عماله في الأقاليم بالكتابة على جلد الخروف وبعثه على أسرع جواد وذلك في عصر البريد الالكتروني.

إنه المدرسة التي تعلم فيها الطفل قيس سعيد مثل ملايين الأطفال قصة عمر الذي يتفقد أهله ليلا فسكن الحلم عقولهم الصغيرة يحلمون بالليالي الملاح التي سيخرجون فيها لتفقد رعيتهم.

هو تعلّم أيضا مثل ملايين الأطفال قصائد الفخر التي تصب كلها في عبادة الفردانية.

ربما تعلم أن ”العاجز من لا يستبدّ” حتى ولو أن عمر بن أبي ربيعة كان يقصد الحب لا السياسة.

خاصة هو تعلم مثل ملايين الأطفال العرب خرافة المستبد العادل التي لا ضمان لشعب إلا استعداداته الأخلاقية.

هو تربى على أن الرجل القوي هو الذي يهابه أعدائه لأنه يملك السيف والنطع.

الوجه الآخر للثقافة الاستبدادية الخوارزميات التي تتحكم في عقول الرعايا.

تراها في أمثالهم التي تتحكم في تصرفاتهم : ”ينصر من صبح”، ”أخطأ رأسي واضرب”، ”أرقد لهم في الخطّ”، ”اللي خاف نجا”.

نتيجة هذا الخوف الهيكلي هم رُوّضوا على طاعة ولي الأمر حتى وهو يلوط. كما ذهب إليه ”المداخلة” – فرع الدين في المخابرات السعودية.

و اشار المرزوقي أن أولى خصائص الزعيم في ذهن رعية لم تفهم أن العادل لا يكون مستبدا والمستبد لا يكون عادلا هي القوة أي العنف في مواجهة الأعداء.

و قال المرزوقي:” لم أرم خصومي في السجون، رماني الكثير من التونسيين بالضعف والعجز لا يغفر لي أنني لم أتوقف نصف قرن عن النضال السياسي والحقوقي رغم أنني تعرضت لمحاولتي اغتيال وعزل ونفي وسجن واعتقال على متن سفينة صغيرة في عرض البحر من بحرية الصهاينة.”

و شدد المرزوقي أنهم يعتبرون هذا الشخص رئيسا قويا لأنه ينكل بكل خصم والحال أنه اختبأ تحت الطاولة طيلة عقود النضال ضد الدكتاتورية ولم يخرج للعلن إلا بعد انتهاء المعركة ليطعن الديمقراطية التي أتت به للسلطة.

و اشار أن وجود هذا الشخص في السلطة مرتبط ظاهريا بإرادة كمشة جنرالات وأمنيين وحفنة قضاة فاسدين وآلاف الصفحات المأجورة وعراب أجنبي وثورة فشلت في حماية نفسها بقوانين غير فعالة مكنت الذئب من دخول المدجنة.

نعم كل هذا صحيح لكن ثانوي جدا لأن القاعدة التي ترتكز عليها كل هذه الظواهر وتسمح بوجودها وتواصلها ثقافة الاستبداد المغروسة في العقول والقلوب منذ قرون والتي توجه مواقف وتصرفات الحكام والمحكومين- إلا من رحم ربك وربك لم يرحم الكثيرين.

و تساءل المرزوقي :”هل المشروع الديمقراطي في بلداننا العربية الاسلامية وهم لأنه مثل محاولة بناء بيت من المرمر دون أسس صلبة على مستنقع رخو لا يمكن أن يحمل مثل هذا البناء؟

هل دولة القانون والتداول السلمي على السلطة والمواطنة وحقوق الإنسان حقا مفاهيم ثقافية غربية بتعبيرات سياسية وليست كما أردد قيم وحلول صالحة حتى لثقافتنا؟

هذا ما ادعاه العنصريون الغربيون متناسين أن أعتى الدكتاتوريات في القرن العشرين – هتلر في ألمانيا، موسوليني في إيطاليا، بيتان في فرنسا، فرانكو في إسبانيا، سالازار في البرتغال، الكولونيلات في اليونان مهد الديمقراطية، كانت غربية ألف في المئة وأن الديمقراطية تترنح اليوم في الكثير من البلدان الغربية وحتى في أكبر معاقلها: أمريكا ترمب.

و أكد المرزوقي أن كل الثقافات عرفت ولا تزال صراعا داخلها بين قيم التحرر بتعبيراتها السياسية وقيم الاستبداد بتعبيراته السياسية وأن الغرب سبقنا في فرض قيم ومؤسسات الحرية فكان ذلك من أهم أسباب تطوره بينما عجزنا نحن إلى اليوم من الانتهاء من ثقل قرون مظلمة.

لكنه شدد على أن المعركة متواصلة عندنا وعندهم لأن ما يجري في الغرب يدل مرة أخرى أن قيم و قوانين مؤسسات التحرر التي تخلق دول قانون وشعوب من المواطنين مكتسبات تتحقق وتضيع ويجب السهر عليها دون توقف نضالا وتمكينا واسترجاعا.

فلا يوجد شعب أجدر بالحرية أو أقدر عليها إلا الذي يدفع ثمنها باهضا في حرب لا تتوقف ضد شياطينه الداخلية.

و ختم قائلاخسرنا كم من معركة. يجب أن نربح الحرب.لهم عمرهم الذي يخرج الرعية ليلا لتفقد الرعية.
ولنا عمرنا الذي صرخ في وجه كل الطغاة ومنهم طغاة هذه الامة المنكوبة ”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

 

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى