الأخباروطنية

عبد الحميد الجلاصي من سجن المرناقية: «حذارِ… نحن شهود جرائم إعدام على المباشر…قريبًا تسمعون أخبارًا سيئة في السجون»

الموت يبقى أمرًا غيبيًا لا يستطيع الإنسان معرفة موعده أو مكانه، لكنه يرى أن بلوغ الإنسان سن الثمانين يجعل الموت أقرب من أي وقت مضى

نشرت الصفحة الرسمية للسجين السياسي عبد الحميد الجلاصي رسالةً من سجنه بالمرناقية، مؤرخة في 14 أوت 2026، وجّه من خلالها صرخة تحذير بشأن أوضاع عدد من السجناء السياسيين، معتبرًا أن ما يجري داخل السجون التونسية تجاوز، في نظره، حدود الخلاف السياسي والقضائي، ليصبح مسألة إنسانية وأخلاقية تستوجب الانتباه.

واستهل الجلاصي رسالته باستحضار مقطع من رواية الساعة الخامسة والعشرون للكاتب فيرجيل جيورجيو، يروي فيه «يوهان موريتز» معاناته في المعتقلات، متمنيًا أن يُطلق سراحه ولو ساعة واحدة قبل موته حتى يموت حرًا، لأن «الموت في السجن خطيئة كبرى». ومن هذا الاقتباس انطلق الجلاصي للحديث عن قسوة أن يُحرم الإنسان، وهو خلف القضبان، من توديع أحبائه، ومن النظر في عيونهم، وسماع كلماتهم الأخيرة، وإسداء نصائحه الأخيرة لعائلته.

ويقول الجلاصي إن الذين سُجنوا في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي كانوا، في معظم الحالات التي يقارن بها، في سن الشباب أو منتصف العمر، وكانت أجسادهم أكثر قدرة على مقاومة المرض والضيق والعتمة، بينما يرى أن عددًا من الذين سُجنوا في المرحلة الحالية تجاوزوا الستين، وبعضهم في الثمانين وما فوق، وقد أنهكتهم الأمراض نتيجة سنوات السجون والمنافي ومحن الحياة.

ويعتبر أن السلطة الحالية لم تكتفِ، بحسب توصيفه، بإعادة عقوبة السجن إلى الواجهة لحسم الخلاف السياسي، بعد أن اعتقد التونسيون أن البلاد تجاوزت هذه المرحلة، بل عادت، وفق تعبيره، إلى تنفيذ «عقوبة الإعدام بطريقة ناعمة»، في إشارة إلى السجن الطويل للمتقدمين في السن، مع التذكير بأن تونس علّقت تنفيذ أحكام الإعدام منذ أكتوبر 1991.

ويطرح الجلاصي في هذا السياق سلسلة من الأسئلة حول معنى تلفيق عشرات القضايا، وفق وصفه، لشخصيات تجاوزت أعمارها الثمانين، ومعنى إصدار أحكام بعشرات السنين في حقها، فضلًا عن تشريد العائلات وحرمان المساجين من مقابلة أبنائهم وبناتهم وأحفادهم.

ويقرّ الجلاصي بأن الموت يبقى أمرًا غيبيًا لا يستطيع الإنسان معرفة موعده أو مكانه، لكنه يرى أن بلوغ الإنسان سن الثمانين يجعل الموت أقرب من أي وقت مضى. ومن داخل السجن، يرفع صوته محذرًا من أن «أخبارًا سيئة» قد تصل قريبًا من السجون، وأن بعض المساجين قد يغادرون الحياة وهم خلف القضبان.

وفي أقسى تحذيراته، يتوقع الجلاصي أن تتحول السجون التونسية، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، إلى ما وصفه بـ«المقابر»، مستحضرًا في ذلك أوضاع السجون في مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

ولا يخفي الجلاصي علاقته الشخصية بعدد من أبرز الشخصيات السياسية المسجونة، إذ يؤكد أنه يعرف جيدًا راشد الغنوشي ويعرف جيدًا نجيب الشابي، إلى جانب عدد من أصدقائه الذين يواجهون أوضاعًا مماثلة. ويقول إن هؤلاء كانوا يدركون، عندما اختاروا معارضة ما وصفه بـ«الانقلاب»، ما ينتظرهم، ومع ذلك لم يترددوا.

ويستحضر في هذا السياق نجيب الشابي، قائلًا إنه أعدّ حقيبته وكأنه يستعد للسفر وانتظر ما سيحدث، في إشارة إلى وعيه المسبق باحتمال تعرضه للملاحقة والسجن.

لكن الجلاصي يؤكد أن المسألة، في نظره، لا تتعلق بالغنوشي والشابي أو ببقية المساجين وحدهم، وإنما تتعلق بالمجتمع كله. ويعتبر أن التونسيين أصبحوا، بالصمت أو التواطؤ أو التجاهل، «شهودًا» على ما يصفه بجريمة تقع أمام أعينهم.

ويرى أن تونس التي كانت، بحسب تعبيره، «مفخرة ونموذجًا»، أصبحت «مسخرة»، وأن التاريخ سيحاسب التونسيين إذا سمحوا بتصفية كبار الشخصيات وإلغاء المرجعيات السياسية، أو اعتقدوا أن بناء الدول يمكن أن يتم بمنطق الإلغاء والمحو وإعادة كتابة المشهد السياسي من الصفر، وفق عقلية «الورقة البيضاء» و«فسّخ وعاود».

وفي حديثه عن المسؤولية، يحمّل الجلاصي المسؤولية الأولى لرأس السلطة وأدواته، ويخصّ القضاء بالذكر، كما ينتقد سياسيين يرى أنهم راهنوا على السلطة، وتخلوا عن شركائهم السابقين في النضال، وتعاملوا معهم باعتبارهم «خسائر جانبية». ويحذر هؤلاء السياسيين من أن ما وصفه بـ«الانقلاب» قد يتخلى عنهم لاحقًا، وأن من ساهم في إقصاء الآخرين قد يجد نفسه في الموقع ذاته عندما تتغير الظروف.

ويعتبر الجلاصي أن المرحلة الحالية أحدثت «صدعًا كبيرًا» في الجسم الاجتماعي والسياسي التونسي، وأن آثار هذا الصدع ستستمر لفترة طويلة. كما يحذر من أن وقوع ما يخشاه ويتوقعه، وما لا يرجو حدوثه، ستكون له تداعيات خطيرة على تونس، وقد يتحول إلى «وصمة» تلاحق البلاد، وإلى «زلزال» يتردد صداه في النخب والزعامات السياسية في العالم العربي وخارجه.

وفي ختام رسالته، يوجه الجلاصي كلامه مباشرة إلى راشد الغنوشي ونجيب الشابي، قائلًا لهما: «كنتُما عظيمين وستبقيان كذلك»، قبل أن يوجه انتقادًا حادًا إلى خصومهما السياسيين بقوله: «أما من جاء من العدم فإلى العدم يعود».

ويختتم السجين السياسي رسالته بالدعاء قائلًا: «أسأل الله أن يحفظكما وأن لا يفتننا فيكما»، ثم يوقّعها بصفته «تلميذكما ورفيقكما».

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى