اقتصادتحقيقات

أفريكسيم بنك وتونس: كيف أصبح بنك التجارة الإفريقية ممولًا دائمًا لميزانية الدولة؟

من تمويل الصادرات إلى تمويل الخزينة قصة تحوّل تطرح أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة

توميديا – أم زكريا (صحافية تونسية مختصة في الشأن الاقتصادي تكتب باسم مستعار حماية من ملاحقات النظام التونسي).

في كل مرة تواجه فيها المالية العمومية التونسية ضغطا جديدا يعود اسم واحد إلى الواجهة وهو افريكسيم بنك African Export-Import Bank. ففي أفريل 2022 حصلت تونس على قرض بقيمة 700 مليون دولار. وفي أكتوبر 2024 عادت المؤسسة نفسها لتمنحها 500 مليون دولار إضافية، قبل أن تمنحها قرضًا ثانيا بالقيمة نفسها بعد أسابيع قليلة فقط. ثم جاء قرض جديد بقيمة 500 مليون دولار مؤخرا في منتصف جوان 2026. وفي المجمل ضخت المؤسسة الإفريقية نحو 2.2 مليار دولار لفائدة الدولة التونسية في أقل من أربع سنوات.

afrexem

قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد سلسلة من القروض الخارجية التي تحتاجها دولة تواجه ضغوطا مالية متزايدة. لكن خلف هذه الأرقام تختبئ قصة أخرى أكثر عمقا، قصة التحول التدريجي لمؤسسة أُنشئت أصلا لتمويل التجارة الإفريقية إلى أحد أهم ممولي ميزانية دولة ذات سيادة. وهنا يبرز السؤال الذي يشكل جوهر هذا الملف كيف أصبح بنك للتصدير والاستيراد أحد الممولين الرئيسيين لميزانية تونس؟ هذا السؤال لا يتعلق بالبنك وحده بل يكشف في الآن نفسه الكثير عن التحولات التي طرأت على المالية العمومية التونسية خلال السنوات الأخيرة.

عندما تغيّرت خريطة التمويل

قبل سنوات قليلة فقط كانت معادلة التمويل الخارجي لتونس مختلفة تماما.
كانت الأسواق المالية الدولية وصندوق النقد الدولي يمثلان القناتين الأساسيتين للحصول على الموارد الخارجية. لكن منذ 2021 بدأت هذه المعادلة تتغير تدريجيا. فقد ارتفعت كلفة الاقتراض من الأسواق الدولية مع تراجع التصنيف السيادي للبلاد، بينما دخل الاتفاق المنتظر مع صندوق النقد الدولي في حالة جمود طويلة رغم التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء. وفي الأثناء لم تتوقف حاجيات الدولة إلى التمويل ، والديون الخارجية واصلت حلول آجالها ، والميزانية واصلت حاجتها إلى موارد إضافية ، والخزينة العمومية احتاجت باستمرار إلى العملة الصعبة.

في هذا الفراغ المالي برز أفريكسيم بنك باعتباره أحد الممولين القلائل المستعدين لتوفير مبالغ كبيرة في آجال معقولة. لكن ما بدأ كحل ظرفي تحول تدريجيا إلى علاقة تمويلية متكررة ومع كل قرض جديد كان السؤال يزداد إلحاحا هل نحن أمام شراكة مالية استراتيجية جديدة، أم أمام اعتماد متزايد على ممول واحد أصبح يؤدي دور “الملاذ الأخير”؟

المفارقة التي لا يتحدث عنها أحد

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الأموال أو تكرار القروض فاللافت في هذه القصة هو طبيعة المؤسسة نفسها فأفريكسيم بنك لم يُنشأ أصلا لتمويل عجز الميزانيات ولم يُصمم ليكون صندوق إنقاذ مالي للدول الإفريقية. بل إن رسالته الأساسية منذ تأسيسه تمثلت في تمويل التجارة البينية الإفريقية ودعم الصادرات ومرافقة المبادلات التجارية والاستثمارات المرتبطة بها.

بعبارة أخرى كان من المفترض أن يمول حركة السلع ورؤوس الأموال داخل القارة لا أن يصبح ممولا مباشرا للخزائن العمومية. لكن الحالة التونسية تكشف مسارا مختلفا. فالقروض الأربعة التي حصلت عليها الدولة لم ترتبط بمشروع ميناء ضخم أو شبكة نقل كبرى أو برنامج صناعي استراتيجي واضح المعالم، بل جاءت أساسا لدعم الميزانية وتغطية احتياجات الخزينة. وهنا تبرز المفارقة الكبرى : هل تغيرت مهمة البنك نفسها؟ أم أن حجم الضغوط المالية التي تواجهها الدول الإفريقية دفع المؤسسة إلى تجاوز دورها الأصلي؟

 

بين صندوق النقد وأفريكسيم بنك أي ثمن للسيادة؟:

sondouk nakd

لفهم جاذبية أفريكسيم بنك بالنسبة إلى تونس لا يكفي النظر إلى قيمة القروض فقط بل يجب النظر إلى البدائل التي كانت مطروحة. ففي الواقع لا يقارن المسؤولون بين أفريكسيم بنك وبنك آخر بل بينه وبين صندوق النقد الدولي. وهنا تظهر معادلة مختلفة تماما. فصندوق النقد يوفر عادة تمويلا أقل كلفة، لكنه يربطه بإصلاحات هيكلية ثقيلة سياسيا واجتماعيا كإصلاح منظومة الدعم والتحكم في كتلة الأجور وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية وغيرها من الإجراءات التي أثارت جدلا واسعا في تونس. أما أفريكسيم بنك فيعمل بمنطق مختلف ، هو لا يطلب تعديل السياسة الاجتماعية للدولة ولا يتدخل في اختياراتها الاقتصادية الداخلية ولا يفرض عليها برامج إصلاح شاملة. كل ما يهمه أساسا هو الضمانات المالية وقدرة المقترض على السداد. وهنا تحديدا يكمن أحد أسباب صعوده. فبالنسبة إلى السلطة التنفيذية يوفر هذا النوع من التمويل هامشا أكبر من الحرية السياسية ويجنبها المواجهة المباشرة مع الشروط التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية التقليدية. لكن هذه الحرية ليست مجانية. فبينما تكون كلفة أموال صندوق النقد منخفضة نسبيا، تأتي القروض التجارية أو شبه التجارية بكلفة أعلى وشروط مالية أكثر صرامة على مستوى الضمانات. وهنا يظهر نوع آخر من المفارقات. فالدولة التي تتجنب التنازل عن جزء من سيادتها الاقتصادية الآنية قد تجد نفسها مع مرور الوقت أمام التزامات مالية أثقل تستنزف جزءا متزايدا من مواردها المستقبلية. بمعنى آخر، يجري استبدال قيد سياسي مباشر بقيد مالي طويل المدى.

أين ذهبت 2.2 مليار دولار؟:

بعد كل قرض جديد يعود السؤال نفسه. إذا كانت تونس قد حصلت على 2.2 مليار دولار من المؤسسة نفسها خلال أقل من أربع سنوات، فأين يظهر أثر هذه الأموال؟ الإجابة الرسمية معروفة: دعم الميزانية وتغطية حاجيات الخزينة وتمويل التوازنات المالية. لكن هذه الإجابة تفتح بدورها بابا جديدا من الأسئلة.
فالقروض التي تُوجَّه إلى مشاريع إنتاجية كبرى يمكن قياس أثرها لاحقا عبر النمو والتشغيل والصادرات. أما القروض الموجهة أساسا إلى سد الفجوات المالية فإن أثرها يكون أقل وضوحا وأكثر صعوبة في التقييم. وهنا تكمن إحدى المعضلات الرئيسية للمالية العمومية التونسية. فالقرض يمنح الدولة وقتا إضافيا. لكن ماذا يحدث عندما ينقضي هذا الوقت؟ تعود الدولة إلى البحث عن تمويل جديد ثم تمويل آخر ثم تمويل ثالث. وعندها يصبح السؤال مختلفًا تمامًا: هل نحن بصدد معالجة الأزمة أم بصدد تأجيلها؟

التقارب السياسي العامل الغائب الحاضر:

لا يمكن أيضا تجاهل السياق السياسي الذي تطورت فيه هذه العلاقة. فخلال السنوات الأخيرة شهدت العلاقات بين الرئيس التونسي قيس سعيد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تقاربا واضحا، بالتوازي مع توسع الحضور الإفريقي والإقليمي للبنك الذي تعد مصر اكبر مساهم في رأسماله . وصحيح أنه لا توجد معطيات تثبت وجود قرار سياسي وراء هذه التمويلات كما أن البنك يمول عشرات الدول الإفريقية بمختلف توجهاتها السياسية. لكن من الصعب أيضا فصل المال تماما عن السياسة في عالم العلاقات الدولية. لذلك يبدو التفسير الأقرب إلى الواقع هو أن الحاجة المالية كانت العامل الحاسم، بينما ساهم المناخ السياسي والدبلوماسي في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتطور هذه العلاقة.

السؤال الذي يزعج الجميع:

بعد أربع سنوات من التمويلات المتتالية لم يعد السؤال الحقيقي ما إذا كانت تونس ستحصل على قرض جديد من أفريكسيم بنك. لان السؤال الأهم أصبح: هل تحوّل هذا البنك إلى ركيزة دائمة في تمويل الميزانية التونسية؟ فحين يقرض بنك للتجارة والصادرات دولةً ما 2.2 مليار دولار في أربع سنوات لدعم ماليتها العمومية فإن القضية تتجاوز القرض نفسه. لإنها تكشف تحوّلا أعمق في موقع تونس داخل منظومة التمويل الدولي، كما تطرح تساؤلات حول قدرة المالية العمومية على الخروج من دائرة التمويل الطارئ المتكرر.

وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية: كم اقترضت تونس من أفريكسيم بنك؟ بل: هل نجحت هذه القروض في تقريب البلاد من الاستقلال المالي أم أنها أصبحت جزءًا من آلية دائمة لشراء الوقت؟ ذلك أن التحدي الحقيقي ليس الحصول على قرض خامس أو سادس أو سابع. التحدي الحقيقي هو الوصول إلى مرحلة لا تحتاج فيها الدولة إلى العودة في كل مرة إلى الممول نفسه لتغطية احتياجاتها العادية من التمويل. وعندها فقط يمكن القول إن القروض أدت وظيفتها الأصلية وهي أن تكون جسرا نحو الحل لا أن تتحول إلى جزء من المشكلة نفسها.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى