بينت لجنة الحقوقيين الدولية في تقرير مفصّل صدر عنها مؤخرًا أن “السلطات التونسية تواصل تصعيدها ضدّ المحامين، واستقلال القضاء، ومنظمات المجتمع المدني”، ولفتت لجنة الحقوقيين الدولية، – وهي منظمة غير حكومية تعنى بحقوق الإنسان، مقرها بالعاصمة السويسرية جينيف، ولها فروع في أكثر من 70 بلدًا- إلى “التداعيات الخطيرة لذلك على سيادة القانون وحق الولوج إلى العدالة في البلاد”.
وقالت المنظمة الحقوقية الدولية في تقريرها الصادر بتاريخ 9 جوان 2026، إن نحو 40 من المنظمات الدولية المعنية بالقانون وحقوق الإنسان “أدانت التصعيد المتواصل والترهيب والعرقلة والانتقام المتصاعد والممنهج الذي تشنه السلطات التونسية ضد المحامين والقضاة وعمادة المحامين وجمعية القضاة ومنظمات المجتمع المدني المستقلة في البلاد”.
ولفتت إلى أن “تونس شهدت تدهورًا مستمرًا في سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان منذ أن عزز الرئيس سعيّد سلطته التنفيذية عام 2021، وأصدر مرسومًا رئاسيًا بعزل 57 قاضيًا بشكل تعسفي عام 2022. وقد لجأت السلطات إلى استخدام الإجراءات الجنائية، وأوامر الإيقاف عن العمل، وحظر السفر، والعرقلة الإدارية، وحملات التشويه ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، وضد كل من يعارض تدخّل السلطة التنفيذية في القضاء”.
وأضافت أن “هذه الاعتداءات لها تداعيات خطيرة على سيادة القانون وعلى حق الوصول إلى العدالة. وهي تمس بشكل مباشر الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الدفاع، وتقوض حق الولوج إلى العدالة، وحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات، وسيادة القانون”، وفقها.
وخلصت إلى أن “تعليق عضوية منظمات المجتمع المدني، وملاحقة المحامين قضائيًا، والانتقام من القضاة، وعرقلة عمل مكتب المدعي العام، تقوّض الضمانات المؤسسية التي تحمي الأفراد من انتهاكات حقوق الإنسان”.
يذكر أن لجنة الحقوقيين الدولية، هي منظمة غير حكومية تعنى بحقوق الإنسان، مقرها بالعاصمة السويسرية جينيف، ولها فروع في أكثر من 70 بلدًا، وتتألف من 60 حقوقيًا بارزًا من كبار القضاة والمحامين والأكاديميين، الذين يعملون على وضع معايير وطنية ودولية لحقوق الإنسان من خلال القانون.
استهداف هيئة المحامين التونسيين
وعبرت نحو 40 من المنظمات الدولية في التقرير الصادر عن لجنة الحقوقيين الدولية عن “قلق بالغ إزاء تصاعد هجمات السلطات التونسية على الهيئة الوطنية للمحامين التونسية ومهنة المحاماة ككل”.
ولفتت إلى أن “عمادة المحامين في تونس تقدمت بجملة من المطالب إلى السلطات، إلا أن رفض السلطات التفاعل بجدية مع هذه المطالب، إلى جانب محاولاتها اللاحقة لتحدي أو عرقلة العمل الجماعي للنقابة، يُثير مخاوف جدية بشأن التدخل المتعمد في الدور المؤسسي المستقل لمهنة المحاماة في الدفاع عن استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، وسيادة القانون”.
كما اعتبرت أن “محاولة السلطات التونسية نزع الشرعية عن تحرك نقابة المحامين الوطنية التونسية، أو عرقلته، أو الانتقام منه، تُعدّ بالتالي هجومًا على الدور المؤسسي لمهنة المحاماة في الدفاع عن استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، وسيادة القانون”.
استهداف المحامين بسبب ممارستهم لمهامهم المهنية
أكدت المنظمات الحقوقية الدولية أن “المحامين في تونس واجهوا الملاحقة القضائية والاعتقال التعسفي ومنع السفر والمحاكمات الجائرة وغيرها من أشكال الانتقام بسبب القضايا التي يتولونها والموكلين الذين يمثلونهم”. واعتبرت أن ذلك “لا ينتهك حقوق المحامين فحسب، بل ينتهك أيضًا حقوق موكليهم، وله أثرٌ بالغٌ في تقويض الحق في الدفاع”.
وذكرت المنظمات بالملفات القضائية والأحكام الصادرة في حق عدد من المحامين في تونس ومن ضمنهم المحامي والناشط الحقوقي العياشي الهمامي، معتبرة أنه يعدّ واحدًا من بين عشرات المحامين الذين يواجهون مضايقات قضائية وخطرًا جسيمًا وانتقامًا بسبب ممارسة الواجبات المهنية والحقهم في حرية التعبير، كما لفتت أيضًا إلى ملفات كل من المحامية والإعلامية سنية الدهماني والمحامي شوقي الطبيب والمحامية دليلة بن مبارك مصدق.
ولفتت إلى أن “هذه الحالات تُجسّد نمطًا أوسع نطاقًا يتمثل في ربط المحامين بموكليهم أو قضاياهم، ومحاولة إسكات مهنة المحاماة”. مشددة على أنه “لا يجوز معاقبة المحامين على القضايا التي يتولون الدفاع عنها، أو الحجج القانونية التي يقدمونها، أو دفاعهم العلني عن حق المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، وحقوق الإنسان”.
وأكدت أن “تجريم المحامين لممارستهم واجباتهم المهنية يُعدّ اعتداءً مباشرًا على حق الدفاع واستقلال مهنة المحاماة، مما يُثني المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ويُعرّض بعض فئات المجتمع لخطر الحرمان من التمثيل القانوني، وبالتالي حرمانهم من الولوج إلى العدالة”.
تتبعات ضدّ قضاة دافعوا عن استقلال القضاء
من جانب آخر، عبرت نحو 40 من المنظمات الدولية في التقرير الصادر عن لجنة الحقوقيين الدولية عن إدانتها الشديدة لما وصفته بـ “الممارسات الانتقامية للسلطات التونسية ضد القضاة ونقابات القضاة الذين عارضوا تدخل السلطة التنفيذية في القضاء بعد حل المجلس الأعلى للقضاء المستقل، وعزل قضاة بموجب مرسوم رئاسي، واستمرار خضوع القضاء للسلطة التنفيذية”، وفقها.
ولفتت إلى أن القاضي أنس الحمادي، رئيس جمعية القضاة التونسيين، أصبح هدفًا رئيسيًا لحملة قمع القضاة، مذكرة بالإجراءات الجنائية ضده ومحاكمته في إجراءات “شابتها مخالفات جسيمة”، وفقها، وإدانته “بتهمة عرقلة سير العمل” مع السجن لمدة سنة.
كما أشارت إلى أن “ملف الحمادي أثار قلقاً بالغاً بشأن الممارسات الانتقامية ضد القضاة الذين يعارضون تدخل السلطة التنفيذية في القضاء”.
قمع منظمات حقوق الإنسان
وأشارت المنظمات الدولية في تقريرها إلى “حملة قمع متصاعدة تشنها السلطات وتستهدف منظمات المجتمع المدني المستقلة، بما في ذلك المنظمات التي تقدم المساعدة القانونية، وترصد انتهاكات حقوق الإنسان، وتدافع عن حقوق المرأة، وتناهض العنصرية، وتحمي حرية الإعلام، وتدعم ضحايا الانتهاكات”.
وبينت أن المحاكم التونسية أصدرت خلال عام 2025، أوامر تعليق لمدة 30 يومًا بحق ما لا يقل عن 25 منظمة، كما خسرت المنظمات التي طعنت في أوامر التعليق طلبات الاستئناف أمام المحكمة، وتواجه الآن خطر الحل، وفقها.
لجنة الحقوقيين الدولية: ندعو السلطات التونسية إلى وقف جميع أعمال الترهيب والمضايقة والاعتقال التعسفي والتدخل غير المشروع الذي يستهدف المحامين والقضاة والمدافعين عن حقوق الإنسان، والإفراج الفوري عن المعتقلين منهم
وبينت أن “هذه الإجراءات لا تقتصر على تقييد الحق في حرية تكوين الجمعيات فحسب، بل تعرقل أيضًا الوصول إلى العدالة بشكل مباشر. فمن خلال استهداف منظمات حقوق الإنسان ومقدمي المساعدة القانونية والجمعيات المستقلة، تقطع السلطات الدعم الأساسي عن ضحايا العنف والتمييز العنصري، والاضطهاد السياسي، وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان”.
توصيات للسلطات التونسية
وفي ختام التقرير توجهت المنظمات الدولية بجملة من الدعوات والتوصيات إلى السلطات التونسية، وفيما يلي أبرزها:
وقف جميع أعمال الترهيب والمضايقة والملاحقة القضائية والاعتقال التعسفي والانتقام والتدخل غير المشروع الذي يستهدف المحامين والقضاة والمدافعين عن حقوق الإنسان، والإفراج الفوري عن المعتقلين منهم.
ضمان تمكين المحامين بشكل كامل وفعال من أداء واجباتهم المهنية بحرية واستقلالية.
إلغاء إدانة القاضي أنس الحمادي وضمان عدم معاقبة أي قاضٍ لدفاعه عن استقلال القضاء، والإفراج عن العياشي الهمامي وشوقي الطبيب، ووقف المحاكمات التعسفية لجميع المحامين والمعتقلين السياسيين، والصحفيين والحقوقيين.
رفع أوامر الإيقاف عن العمل الصادرة بحق منظمات المجتمع المدني، وإنهاء جميع محاولات الحلّ أو العرقلة.




