رأي
في مسألة “المُتحيّلون الإيديولوجيُّون” وخطر “الدُّخُوليّة” على بوصلة اليسار
هؤلاء أستطيع أن أطلق عليها تسمية "المتحيّلون الإيديولوجيُّون" وتُطلِقُ عليهم الأجيال السابقة من اليسار إسم "الدّخُوليون" نسبة إلى سلوكهم أثناء حقبات الاستبداد.

بقلم: سليم بوخذير /كاتب صحفي ومناضب
هناك نوع من الناس ينسِبُون أنفسهم زُورًا وبُهتانـا إلى المربّع الماركسي اللينيني في تونس وهم في رأيي من أخطر من أمكن استخدامهم في كل العهود لافشال اليسار وتشويهه بل وفي تحويل الرصيد النضالي التراكمي لليسار الوطني إلى أصل تجاري ومُنتٓزٓعٍ مُحتٓكٓرٍ في خدمة الدكتاتورية وإلى سهم مِزدهِر في بورصة الانتهازية والغنائميّة والزبونية وإلى مِعول طيّعٍ في خدمة الاستبداد.
هؤلاء أستطيع أن أطلق عليها تسمية “المتحيّلون الإيديولوجيُّون” وتُطلِقُ عليهم الأجيال السابقة من اليسار إسم “الدّخُوليون” نسبة إلى سلوكهم أثناء حقبات الاستبداد.
في العادة يكون بعض هؤلاء ممّن مروا بتجربة المرحلة الأولى من الانتماء الايديولوجي للماركسية ونعني مرحلة الانتماء الايديولوجي المجرد.
قرؤوا بعض كتب الماركسية في مرحلة شبابهم فتحمسوا لها وتبنوها وبعضهم انتمى فعلا إلى تنظيمات ماركسية في شبابه وخاصة في سنوات السبعينات والثمانينات حين كانت هناك حالة مدٍّ ماركسي في الجامعة خاصة.
أما عند المرحلة الموالية لمرحلة الانتماء الايديولوجي المجرد ونعني مرحلة الانتماء الايديولوجي المبدئي والأصيل وهي المرحلة الأهم أي مرحلة استنطاق النظرية وتأصيلها وتحويلها إلى مواقف واضحة من المسألة الوطنية وإلى أطروحة مدقّٓقة قارئة للشأن العام الداخلي ولطبيعة نظام الحكم القائم في تونس ولطبيعة نمط الانتاج السائد ورسم الموقف اليساريّ منه، فتجد وقتها هؤلاء فجأة يقفزون من مركب النظريّة دون أن يعلنوا ذلك ويُمعِنُون في التضليل خاصة زمن الدكتاتورية ليدخلوا كل الألاعبب على لوحة اعدادات المُحرّك الرئيس لبناء الموقف السليم من الشأن الوطني ونعني بالمحرك الرئيس مسألة تحديد طبيعة التناقض القائم، فيصرفون كل الجهد في أن يخترعوا لك قراءة “مضروبة بالسفّود” يحاولون من خلالها اقناعك بأنّ طبيعة التناقض القائم بين السلطة الدكتاتورية في تونس وبين طبقات المجتمع إنّما هو تناقض بين دولة مدنيّة تُمثلها السلطة حسب زعمهم في مواجهة قوى تطرف ديني أو قوى متحالفة معها، تُهدّد مدنيّة الدولة.
كان هذا خطاب عديدهم في أولى سنوات دكتاتورية بن علي حين بدأ النظام في محرقة الإسلاميين بداية التسعينات، وقرأ هؤلاء المتحيلون الإيديولوجيون في اعتقال الٱلاف المؤلفة منهم وإطلاق يد التعذيب الوحشي الممنهج لتونسيات وتونسيين ومقتل عديدهم تحت التعذيب وكل تلك المحرقة وذلك السجل الدموي المريع من انتهاكات حقوق الإنسان، قرأوا فيه انتصارا لـِ”مدنية الدولة” (التي كان يمثلها حسب قولهم بن علي) في مواجهة فاشية دينية مهددة لـِ”مكاسب الدولة المدنية”. وكأنّ الماركسية معادية لحقوق الإنسان وكأنّ ماركس لم يقل إنّ أثمن رأس مال في الوجود هو الإنسان، وكأنّ الجنرال بن علي لم يكن فاشستيا وكأنّ هذا الجنرال كان حارسا لمحراب الدولة المدنية الديمقراطية.
مرّ هؤلاء بعد ذلك بِبِرهة، من مرحلة تزوير طبيعة التناقض بين دكتاتورية بن علي والمجتمع، إلى المرحلة الأكثر إسالة لِلُعابهم وهي مرحلة الدّخُوليّة.وهي أن يصنعوا كل الذرائع للإنضمام إلى صفوف النظام والدخول في أجهزته خٓدٓمًا وحٓشٓمًا طيّعين لديه.وطبعا قٓبِلهم نظام الفاشستي بن علي بكل تِرحاب وانتشروا في مناطقه المترامية الأطراف الزاخرة بالغنائم والمنافع. ذلك أنّ النظام لم يكن لِيجد أحسن منهم قدرةً على تجميل استبداده وسجله القمعي الوحشي وإيجاد التبريرات لانتهاكاته الحقوقية ونيله من كل الحريات وتسويق صورته في الخارج الغربي خاصة كمنقذ من التطرف الديني.
وحتى حين مرّ نظام بن علي إلى محرقة حزب العمال الشيوعي التونسي بعد محرقة الإسلاميين، واعتقل فرسان الحزب ونكل بهم وسحقهم تعذيبا ووحشية بلا رحمة ولا شفقة بعد أن منع قبل ذلك صحيفة الحزب “البديل” من الصدور، لم ينبس هؤلاء المتحيلون الإيديولوجيون ببنت شفة، وتصرفوا وكأنّهم لم يسمعوا بأخبار اعتقالات بنات وأبناء حزب العمال الشيوعي جدا واليساري جدا والماركسي جدا واللينيني جدا، وواصلوا تلميع صورة نظام بن علي والإنتشار في حدائق مغانمه التي كانت أشجارها الممتلئة بثمار الزبونية تغطّي وتحجب عنهم معتقلات هذا النظام نفسه المظلمة التي كانت تسلخ فيها جلود رفيقاتهم ورفاقهم بحزب العمال الشيوعي وأيضا رفاقهم في تنظيمات يسارية طلابية نالهم الاعتقال، وهؤلاء المتحيلون الإيديولوجيون لم يحركوا ساكنا.
وقد انضم بعض هؤلاء حتى إلى حزب التجمع والبعض الٱخر دخل أجهزة الحكم الرسمية وتحوّل أحد هؤلاء إلى مخرج سينمائي يُغدٓقُ الدعم المالي الوفير على أفلامه، وغنِم عدد من هؤلاء مواقع في وظائف ببنوك أو مؤسسات عمومية وفي أبواق الدعاية والبروبغندا لبن علي وأحدهم كان في الصفوف الأولى للحملات الانتخابية لبن علي وفيهم حتى من نصّبه بن علي أمينا عاما لحزب كرتوني مُوالٍ مع أنُ هذا الحزب كان يحمل شعارات و”هوية” ليبيرالية والسيد الأمين العام من المفترض أنه كان ماركسيا لينينيا تروتسكيا.
طبعا أنا لا أتحدث هنا عن يساريين دخلوا إلى أروقة العمل بمؤسسات الدولة بكفاءاتهم وشهاداتهم وقرروا تجنب العمل السياسي في ظل دكتاتورية تقمع أصحاب الرأي المخالف وتسجن المعارضين، فالخوف جزء من تركيبة الإنسان ولا تجوز مؤاخذة الناس على شعورهم الطبيعي بالخوف من التعذيب والقمع والاعتقال الذي كان سياسة ممنهجة لدولة الاستبداد القهرية المتوحشة التي كرسها بن علي.
وإنما أتحدث عن أناس عقدوا صفقات نزِقة مع نظام بن علي بعد أن كانوا يدّعون أنهم يساريون ومناضلون تقدميون، مقابل الانضمام إلى جوقة النظام وإباحة دم معارضي الدكتاتورية أو على الأقل الصمت على الانتهاكات إن لم أقل تلميعها.
ومع بدايات القرن الجديد دخل البلاد وميض من نور من الخارج بظهور الأنترنت وبروز منابر إعلامية حرة على شبكته بدأها الشهيد التقدمي زهير اليحياوي من خلال موقعه “تونيزين” ثم تلاحقت المواقع التي تبث من الخارج وأشهرها “تونيس نيوز” وكذلك موقع “نواة” وموقع “البديل” ، فيما عادت مجلة “الموقف”إلى الصدور في شكل صحيفة بالتزامن مع قناة “المستقلة” التي كانت بداياتها في سنة 2001 معارضة للسلطة.
وأعطت هذه المواقع وقناة المستقلة في بداياتها، جرعة ذات بال للرأي المخالف لكي يصل إلى الجمهور الداخلي والخارجي، بما شكّل فرصة لعديد الأصوات التي كانت صامتة وتخشى أن لا يصل صداها إلى الناس، أن تعبّر وتخرج من خوفها في ظل مساحات التعبئة الجديدة على صغر حجمها .
وهكذا كان ظهور الأنترنت فعلا فرصة ليخرج من كان صامتا ليعبّر عن رأيه، رغم أن النظام كان يجبر كل رأي مخالف على دفع الثمن هرسلة وتنكيلا.
وفي تلك السنوات التي حصلت فيها صحوة لمعارضة الداخل بعد سنوات التسعينات الأكثر قتامة، التقت روافد المجتمع المدني والسياسي ضد الدكتاتورية بما كان يشجع أي يساري حقيقي على العودة لِعلنيّة المعارضة بما أنّ الساحة شهدت حالة من “التجبّه” بين الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و”النساء الديمقراطيات” والمجلس الوطني للحريات ومنظمة مناهظة التعذيب والحزب الديمقراطي التقدمي وحزب العمال الشيوعي التونسي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.
وسط كل هذا واصل المتحيلون الإيديولوجيون لعب دور الداعم لبن علي بل هاجموا في كتاباتهم المعارضين التقدميين لنظام الفاشي بن علي ووصفوهم بأبشع النعوت منها اتهامهم لكلّ ماركسيّ مناهظ للاستبداد بأنه مرتد وحليف للإخوان وللتطرف الديني ضد الدولة المدنية التي ادّعوا أنها كانت قائمة وكانت مهددة.
طبعا هم كانوا بهذا الخطاب المزدوج المخاتل يريدون تحقيق هدفين لا يمكن البتة تحقيقهما معا الأول هو غنم مكاسب السلطة والثاني هو المحافظة على شرف الانتماء إلى الصف التقدمي بادّعاء أنهم مع بن علي ليس حبّا في نظامه وإنما لاتّقاء شر الاسلاميين على مدنية الدولة.
ولكن لا يمكن البتة غنم مكاسب السلطة والمحافظة على شرف التقدميّة معا، وكل تلك الألاعيب كانك مكشوفة، فالمتحيلون الإيديولوجيون إنما اختاروا أسوأ صفة في التاريخ وهي صفة مثقفي النظام لاعقي أحذيته البارعين في تبرير خيانتهم لمعركة الشعب من أجل الحرية.
وفيهم تنطبق تماما قولة فلاديمير لينين الشهيرة :”إن المثقفين هم أقدر الناس على الخيانة لأنهم أقدر الناس على تبريرها”.
وأنت حين تقرأ شخصية المتحيّل الإيديولوجي إذا ما صادفته يوما، فإنّك لن تجده بالضرورة شخصا ذا أمّية ايديولوجية بل إنّك في أحيان كثيرة قد تجده شخصا مُلِمًّا بتفاصيل دقيقة في التاريخ النضالي لليسار في كل قارُات العالم وبِنواحٍ عميقة من النظريّة وبدقائق الأمور في الكتب الماركسيّة..
يُحدّثك عن تفاصيل التفاصيل في كومونة باريس وكيف حكمت اللجان العمالية ل72 يوما في 1871 وقد يُفتِي لك ويعطيك أسماء القادة العمّاليّين ليوم 18 مارس 1871 واحدا واحدا.ويناقشك في ظروف تأسيس الكومنترن في 1919 وكيف جاءت ثمرة لنجاح الثورة البلشفية بهدف توحيد الحركة الشيوعية العالمية في وجه الرأسمالية والامبريالية العالمية وأنه تقريبا كان حاضرا في الاجتماع التأسيسي ومُلٍمًّا بكل التفاصيل لولا أنه لم يكن قد وُلِد بعدُ.
ثم يضيف لك من الشعر بيتا ويُسهِبُ لك في تحليل الأمميّة الرابعة وظروف اغتيال ليف دافيدوفيتش برونشتاين (الإسم الحقيقي لليون تروتكسي) في مكسيكو وماذا كان يرتدي من ملابس ساعة الإغتيال وماهو ٱخر طبق تناوله يومها وكأنّ صاحبنا كان معه.
ويحدّثك أيضا عن حركة الدرب المضيء في البيرو وتاريخ نشأتها في 1980 وربما حتى يُفتِي لك في الأمر ويعطيك مقاس حذاء أبيمال غوزمان قائدها.
وقد يغوص لك كذلك في أغوار نظرية أنطونيو غرامشي عن الكتلة التاريخية ويضيف إلى النظرية نفسها تنظيره هو شخصيّا.
وحين يذهب بك إلى حقل المادية الجدلية قد تكتشف قدراته البارعة على تخليق النظرية وعلى إضافة ديالكتيك للديالكتيك في حد ذاته.
كما يطنب لك في حديثه عن أخلاق المناضل الشيوعي الحقيقي إلى درجة أنك تتخيل أنه ربّما كان شريكا للزعيم الشيوعي البرازيلي ديوجينيس أرودا كامارا في كتابة مدوّنة سلوك الشيوعي الشهيرة والنموذجية تحت عنوان: “أن تكون شيوعيا فذلك التزام يومي”.
أما حين تجادله في مسألة المجالسيّة والمجالسيّين فيعود بك إلى ثورة نوفمبر 1918 في ألمانيا وهولندا وكيف ولد منها تيار الشيوعية المجالسية ، وحين تنتقد له المجالسية وتقول له مثلا إنها قد تكون أول بذرة سامّة حاول الشعبويون زرعها في الصفوف الماركسية، قد يطردك من طاولة النقاش ويرميك بالحجارة.
أضيف لك أمرا ٱخر: إنُ كتابات وبيانات بعض المتحيّلين الإيديولوجيين في زمن الإستبداد في تونس، تكثر خاصة عن موضوع صراعات الأنظمة اليسارية في العالم فيسيل حبرهم مِدرارا تضامنا مع نضالات الشيوعيين في أمريكا اللاتينية مثلا، لكن في المقابل حبرهم ينضب فجأة وأقلامهم تجفّ تماما فلا يكتبون حرفا واحد عن قمع الشيوعيّين من قبل نظام الاستبداد في تونس، هذه خاصّية من خاصياتهم المعروفة، بل إن حبرهم يكون عادةـ مُنسابا في تجميل الاستبداد وتصوريه على أنه “ضرورة طبقية” كما يدّعون، وذلك لأن مصالحهم مرتبطة بنظام المستبد المحلي الذي لا يُضِيرُه أن يساندوا مناضلي اليسار في أمريكا اللاتينية ولكن يستشيط غضبا منهم لو نطقوا بكلمة عن قمعه لمناضلي اليسار في تونس.
وفي عهد بن علي كانت تكثر أيضا بيانات المتحيُلين الايديولوجيين المساندة لنضالات الشعب الفلسطيني الأبي ضد المحتل الصهيوني الغاصب، وهذا أمر محمود طبعا ولكن مساندة النضال الفلسطيني الباسل لا تمنع من أن نساند أيضا نضال الشعب التونسي من أجل الحرية والكرامة، والمتحيلون الإيديولوجيون لم يكونوا يفعلون ذلك.
أذكر أنني مرة توجهت إلى المقر المركزي لاتحاد الشغل في مارس 2010 أنا والرفيقة المناضلة اليسارية زكية الضيفاوي بعد خروجها من السجن باعتبارها المرأة الوحيدة ضمن سجناء قضية الحوض المنجمي.
حضرنا وقتها ندوة لقسم المرأة العاملة بالإتحاد وكانت زكية الضيفاوي قد خرجت لِتوّها من تجربة إضرابٍ عن الطعام خاضته هي والرفيقة غزالة المحمدي احتجاجا على الطرد من العمل بالتزامن مع العيد العالمي للمرأة (8 مارس).
هناك وفي كواليس الندوة صادفتُ أنا وزكية واحدا من غُلاة التحيل الايديولوجي في تونس.
نشر حزب هذا المتحيل الايديولوجي قبل ذلك، بيانا ب”تونيس نيوز” بمناسبة عيد المرأة حمل توقيعه عن معاناة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال الصهيوني، فتوجهت له زكية بالتحية والحديث..قالت له إنها قرأت بيان حزبه المساند للمرأة الفلسطينية ولنضالات الشعب الفلسطيني وشكرته على ذلك، لكن عابت عليه كيف لم يتضمن بيان حزبه أي سطر عن معاناتها هي وغزالة المحمدي باعتبارهما إمرأتين تونسيتين مضطهدتين، فأجابها بالقسم أنه لم يسمع بأمرهما وأمر اضرابهما عن الطعام.
حينها سألته زكية:”طيب..ألم تسمع بالمضايقات البوليسية التي تتعرض لها جمعية النساء الديمقراطيات؟ لماذا لم يتضامن معها حزبك في بيانه؟”.
فاختار صاحبنا الفرار تماما من الحوار..
وهناك متحيل إيديولوجي ٱخر عرفته في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات في مقهى “الكهف” معقل الماركسيين في صفاقس وكنت مراهقا ناعم الأظافر إيديولوجيًّا.
كان يُنظِّر علينا ويصوّر نفسه على أنه الرقم الطليعي في مشوار مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية والصوت الذهبي في محراب حقوق الانسان.
تمضي السِّنُون سريعا وأكون معتقلا سياسيا في سنة 2007 بسبب كتاباتي ونضالي ضد الفاشستي بن علي ومرة وأنا مقتاد من طرف أعوان المصلحة الأمنية السياسية المختصة من زنزانة السجن الانفرادي المضيق لتلقّي زيارة العائلة، فوجئت بوجود هذا المتحيل الإيديولوجي بصفة محام في مكتب المحاماة بالسجن وهو يستعد لزيارة سجين حق عام منوّب له، حيّيته لأني خِلت أنه جاء متضامنا معي، فتجنب الرد على تحيتي وأدار ظهره لي وكأنه لم يرني أصلا، وذلك حتى لا ترمقه عيون الأعوان وهو يتحدث إليّ خوفا من أن يصل خبره إلى بن علي الذي برع هذا المحامي في ابتلاع لسانه طوال فترة بطشه بالشعب التونسي.
ولا يمكن أن نطرح موضوع المتحيلين الإيديولوجيين في تونس دون أن نمر على علاقتهم بمنظمة الطبقة العاملة الإتحاد العام التونسي للشغل زمن دكتاتورية بن علي..
لقد دفعت يد العسف والقمع البنعليني منذ أول التسعينات لكل صاحب رأي مخالف فردا كان أو تنظيما، عديد اليساريين الحقيقيين إلى الهروع إلى العمل النقابي كبديل عن العمل السياسي وإلى اتحاد الشغل كخيمة ٱمنة يمكن أن يحتموا بها ويمارسوا فيها التنظّم المباح للدفاع عن الطبقة العاملة من استباحة السلطة لحقوق العمال المادية والاجتماعية وأيضا من استغلال أرباب رأس المال في القطاع الخاص للطبقة الكادحة، كمربع نضالي طبقي مأمون العواقب نسبيّا مع نظام دكتاتوري يمارس الدوس على كل الحقوق ببالغ الصلف.
هنا الأمر كان محمودا، من اليساريين الحقيقيين الذين انتشروا في تلك السنوات في النقابات الأساسية لاختصاصاتهم المهنية كجامعة الصحة وجامعة البريد ونقابات التعليم وغيرها. إلا أن هناك فئة أخرى ممّن يدّعون زورا وبهتانا أنهم يساريون، هرعوا إلى التنظّم في اتحاد الشغل ليس لممارسة تناقضهم الموضوعي مع اليمين الفاشي الرجعي التابع الحاكم ومع طبقة رأس المال الكومبرادوري والمونوبولي المحتكر لوسائل الانتاج ولسلطة المال على حساب فائض القيمة الإنساني: العامل والعمل.
وإنما هُم هرعوا إلى اتحاد الشغل لمحاولة تدجينه من الداخل لحساب نظام بن علي التابع ولحساب أيضا طبقة رأس المال الكومبرادوري الاحتكاري حليفة بن علي ومِعوله في المربّع الاقتصادي ومِعول القوى الاستعمارية.
هؤلاء هم المتحيّلون الايديولوجيون الذين شرعوا منذ أول التسعينات في موسم الحج إلى اتحاد الشغل بهدف أن تغمره رياح “صانع التغيير” ونسائم “مسار 7 نوفمبر” بغرض تحويله من تنظيم حي وفاعل ومستقل وذي وزن وممثل صعب المراس للطبقة العاملة في مواجهة تغوّل السلطة المتوحشة، إلى تنظيم عاطل مُوال يدور في فلك الدكتاتورية ويتحرك على المقاس الذي تحدده له.
واعتقادي جازم أن هؤلاء نجحوا في عديد مهماتهم تلك فقد نجحوا في أن يعتلوا مناصب في قيادة منظمة العمال لمحاولة فرض خطهم الانبطاحي مع السلطة، والحصيلة أنّ المكتب التنفيذي والأمانة العامة سواء زمن إسماعيل السحباني أو زمن عبد السلام جراد كانا يدوران في مضمار الموالاة المحدد الذي رسمه بن علي لقيادة الاتحاد.إلا أن ذلك لا يجب أن يحجب أن هناك دماء نقية كانت تجري في شرايين الاتحاد في تلك السنوات تُبرِزها خاصة مواقف عديد النقابات القطاعية وعديد النقابيات والنقابيين الحرائر والأحرار.
واعتقادي جازم أيضا أن وجود المتحيلين الإيديولوجيين وتحالفهم مع بعض الانتهازيين هو الذي حوّل في سنواتِ دكتاتوريةِ بن علي، البيروقراطية النقابية (في أعلى طبقة قيادية لاتحاد الشغل) من بيروقراطية نقابية ضعيفة إلى بيروقراطية نقابية موالية للنظام الدكتاتوري ومطبّعة مع حربه على المجتمع وتنكيله به وبطبقاته الحية.
وأنا هنا طبعا لا أعني القيادات النقابية النقية المناضلة التي ابتعدت أطول المسافات من نظام الاستبداد وتناقضت معه وساندت انتفاضة الحوض المنجمي في 2008 وثورة الشعب الأبي في 17ديسمبر/14 جانفي وكانت سندا لنضالات المجتمع المدني والسياسي خلال حقبة الدكتاتورية. وإنما أعني فقط المطبّعين مع الاستبداد من المتحيلين الإيديولوجيين.
فقد كان هذا هو السلوك الهجين المفضّل لهؤلاء الذين أعني: هم يتدثّرون باللّحاف اليساري لنيل شرف النضال النقابي ويخبّئون وراء ذلك علاقاتهم الزبونية والغنائمية مع الاستبداد مقابل خدمته والتهليل له ومحاولة وضع الموقف النقابي القيادي على ذمته وطوع بٓنٓانِه، وكلّكم تذكرون كم من انتخابات رئاسية وهمية نظمها بن علي وكانت قيادة اتحاد الشغل المركزية مساندة له.
وأنت حين تكون ماركسيا وتقرأ هذا المقال عن المتحيلين الإيديولوجيين، لا شك أنك ستقفز إلى ذهنك فكرة سكيزوفرينيا الوعي الطبقي هذه الحالة التي قد تصيب بعض البروليتاريا في نمط الانتاج الرأسمالي، فيكون وعيهم بورجوازيا مع أنهم بروليتاريا ويكونون سندا للمستغِل البورجوازي مع أنهم بروليتاريا ويكونون طيّعين ومُسخّرين لتنفيذ أجندات المستغِل البورجوازي ضد مصالح طبقة البروليتاريا نفسها التي ينتمون إليها فيخونونها، ذلك أنُ وعيهم الطبقي هو منفصل عن انتمائهم الطبقي، ولأن مكاسب التحالف مع البورجوازية أيضا تُسِيل لُعابهم وتغري نهمهم.
المتحيلون الإيديولوجيون هم لهم شيء من هذا التناقض بين الوعي والانتماء ولكنه تناقض معكوس، فهم ينسبون أنفسهم إلى القوى الثورية ويدّعون الانتماء لها، بينما وعيهم الطبقي الحقيقي هو مع طبقة الحكم الاستبدادي ومع طبقة حلفائه البرجوازيين الكومبرادوريين، وكل هدفهم هو تعميق هذه الصلة بهذه الطبقة، من أجل جني ثمار خيانة الطبقات الشعبية الأصلية التي يلبسون رداء الدفاع عنها.
وهناك فكرة أخرى غير فكرة سكيزوفرينيا الوعي الطبقي تنطبق على تناقض الوعي مع الانتماء لدى شخصية المتحيُل الإيديولوجي، هي فكرة التناقض بين “عقيدة الذات” و”عقيدة الجهاز” التي برع مفكرنا الفذ رفيقنا الراحل أستاذي الفيلسوف رضا الزواري في ابتداعها لنا في أحد كتبه الثمينة.
لن أطيل عليك في شرحها، بل سأختصر لك بالقول إن رضا الزواري يضع مسافة في أحد كتبه الخالدة، بين خطاب بعض اليساريين (في كل زمان ومكان) الذين يعلنونه لك في منابر الجهاز الذي ينتمون له (تنظيم عمالي، حزب شيوعي، تشكيل نقابي طلابي، تكتل فلاحين..الخ) وبين خطاباتهم الحقيقية الذاتية التي يعلنونها حين يكونون خارج الجهاز (التنظيم) ويمارسونها في حياتهم الذاتية الحقيقية، فقد تكون عقيدتهم وقناعاتهم الذاتية الأصلية مناقضة لما يعلنونه لك حين يعتلون منبر التنظيم للخٓطٓابة.
ولذلك ينصحك رضا الزواري بأن تصدّق فقط اليساريين الذين تجد تطابقا بين العقيدة التي يعلنونها لك في منابر الجهاز (التنظيم) وبين تلك العقيدة التي يحملونها فعلا في ذواتهم ويمارسونها خارج أروقة التنظيم.
وإنُ المتحيّلين الإيديولوجيّين هم أكثر من ينطبق عليهم قول رضا الزواري هذا: فهم خطابهم المعلن يدّعي لك يساريّتهم بينما خطابهم الحقيقي وممارستاتهم في الواقع وتموقعهم الفعلي يكشف لك أنهم مع يمين اليمين.
نأتي الٱن إلى مرحلة ما بعد ثورة 17ديسمبر/ 14 جانفي، فقد صدمت الثورة المتحيلين الإيديولوجيين ورجًت صفوفهم، لأنها أزاحت حليفهم وولي نعمتهم بن علي، ولذلك كان لزاما عليهم أن يخرجوا إلى دائرة الضوء بهويات سياسية جديدة، فبحث بعضهم في ذاكرة اتصالاته عن يساريين قدامى كان يعرفهم في سنوات الجامعة لرسم معالم تنظم سياسي جديدة تكون ذات عنوان يساري عساه يصنع لنفسه طهورية وليدة تخفي ولاءه للدكتاتورية زمن الجمر.
وٱخرون هرعوا إلى المنابر الإعلامية التي فُتحت بعد الثورة بقنوات التلفزيون والراديو، ليظهروا في صورة المحلّلين السياسيين والمثقفين العضويّين والانتلجنسيا الطليعيّة لمحاولة ابعاد ودرء اللٌائمة عليهم من تاريخهم القريب والتمويه عن هوياتهم زمن الإستبداد بهويات جديدة .
وقد تغذّى وجودهم في الساحة في الأشهر الأولى بعد الثورة من حالة الاستقطاب الثنائي التي بدأت تظهر بين علمانيين ودينيين، واستفاد المتحيلون الإيديولوجيون من التناقض الذي بدأ يبرز بين مكاسب مدنيّة الدولة وبين ما رشٓحٓ من أخطار عليها من شبح الدولة الدينية المحتملة التي بدأ خطابها يبرز مع السلفيين.
ولا شك أنّ هذا التناقض كان قائما وكان على التقدميات والتقدميين في تونس الدفاع عن مكاسب الدولة المدنية والانتصار لها من أي خطر محتمل للرجعية الدينية عليها، ولكن هذا التناقض لم يكن هو التناقض الحقيقي الرئيس بعد الثورة، التناقض الحقيقي والرئيس والأولوي كان بين الثورة وأعداء الثورة (الثورة المضادة) وكان يجب أن يكون الاستقطاب الأولوي هو على هذا النحو والأساس أي بين الشعب الثائر وقواه الحية وبين بقايا دولة الاستبداد من مراكز نفوذ ورمزيات وقوى وخيارات وسياسات .
وطبعا الاستقطاب على هذا النحو (بين ثورة وثورة مضادة) لم يكن مناسبا للمتحيلين الايديولوجيين ذلك أنّ تصدّر هذا الاستقطاب الموضوعي للمشهد سيجعلهم بالضرورة في الضفّة المنبوذة منه (ضفة الثورة المضادة) باعتبارهم من بقايا حلفاء منظومة الاستبداد وخٓدٓمِها الطيّعين.
ولذلك كان مناسبا للمتحيلين الايديولوجيين حتى لا يلفظهم المشهد الديمقراطي الجديد، أن يستثمروا في نمط ٱخر للاستقطاب الثنائي (بين دولة مدنية وشبح دولة دينية مخيم).
فكان هذا النمط الوحيد الذي وضعته في طريقهم الأحداث فسارعوا إلى محاولات تغذيته لأنه كان ليضعهم في صفّ واحد مع اليساريين الحقيقيين في الدفاع عن خيار الدولة المدنية، كفرصة حقيقية بالنسبة للمتحيلين الايديولوجيين للالتقاء مع اليسار واللوذ به.
فاليساريون هم علمانيون والمتحيلون الإيديولوجيون هم علمانيون أيضا ولكنهم ليسوا يساريين كما يدّعون، فمنطقة الاستقطاب على أساس مدنية الدولة ما كانت إلا لتجعل المتحيلين الإيديولوجيين في وضعية ترف من خلال محاولة الدخول في خيمة اليسار الحقيقي الديمقراطي صاحب الإرث النضالي التراكمي زمن الإستبداد وهو إرث كان يفتقده طبعاً المتحيلون الإيديولوجيون.
بعد ذلك، تنامى أكثر منسوب الاستقطاب الثنائي على أساس مدنية الدولة (بين طرفي القطبية:علمانيون في مقابل دينيين) على حساب منسوب الاستقطاب الثنائي على أساس تناقضيّة الثورة والثورة المضادة.
وانتشر في تلك الفترة بعض المتحيلون الإيديولوجيون في أحزاب تحمل عناوين يسارية.
وحين سارع الباجي قائد السبسي إلى إعادة رسكلة حزب التجمع حزب الرأسمالية الاستبدادية التابعة باسم جديد هو “نداء تونس” ، قفز عديد المتحيلين الايديولوجيّين إلى هذا المركب الجديد في محاولة للوصول إلى مراكز النفوذ من جديد في حالة نجاح الحزب في الانتخابات(وهو ما حصل في 2014)، والغريب أنً بعضهم أطلق على مجموعته تسمية “الرافد اليساري” لـِ “نداء تونس”،فكيف يكون هناك أصلا رافد يساري في حزب بورجوازي؟ وكيف يكون هناك “يساريون” أصلا في حزب التجمع (الجديد المُرسكٓل).
أمّا في خطّ مُواز، وفي تطور ديناميكي التقت أحزاب اليسار التاريخية مع الأحزاب الوليدة في تجربة الجبهة الشعبية كضلع ثالث في المعادلة السياسية التونسية جاءت كنِتاج موضوعي للاستقطاب في الساحة بعد وجود الضلع الاول (الإسلاميون وحلفاؤهم) والضلع الثاني (حزب التجمع العائد باسم جديد).
ولاشك أنّ عددا غير محدّد من المتحيلين الإيديولوجيين تسرّبوا إلى أحزاب الجبهة الشعبية التي كانت تضمّ عديد الأحزاب وبعضها أحزاب كانت وليدة بعد الثورة ولم يسبق لها النشأة والتنظم السري زمن الإستبداد .
وأنا هنا أخيّر أن لا أغوص طويلا في موضوع تقييم تجربة الجبهة الشعبية ولا في نهايتها ولا أثر تلك النهاية سواء على اليسار أو على الوطن ككل.
ذلك أنّ عديد أحزاب الجبهة (وخاصة حزبها الأيقوني حزب العمال) نشرت ما يكفي من وثائقها التقييمية لتجربة الجبهة الشعبية.
ما يعنيني هنا في أمر الجبهة فقط هو موضوع هذا المقال أي المتحيلون الايديولوجيون واصرارهم عند انضمامهم إلى الجبهة الشعبية دائما على اتباع نفس السلوك اليميني الذي اعتادوه لعقود، أي أنّ من شبّ على شيء شاب عليه وهم ليسوا من اليسار ولن يكونوا يوما منه، وكان خطأً فادحا من الجبهة الشعبية وأحزابها أن قبلت بانضمام متحيلين إيديولوجيين إلى صفوفها.
وها أني أكتفي لك برواية 3 وقائع كان فاعلها من أبرز المتحيلين الإيديولوجيين من معتلي المنابر الطليعيّة في الجبهة الشعبية، والوقائع الثلاث تشترك في اعطائك الصورة الأصلية لحقيقة المتحيلين الإيديولوجيين اليمينيّة وتُقِيم لك الدليل الدامغ على طبعهم الزبوني وعلى تقاطعهم مع مراكز المصالح البورجوازية وعلى ميلهم الدؤوب إلى التضحية بالمضامين النضالية المبدئية النقية لليسار وذلك من أجل تحقيق مطالبهم الذاتية في صعود السُّلم الغنائمي واتخاذ تلك المضامين النضالية قُبّعة يرتدونها ولِحٓافا يلبسونه للتغطية والمُوٓاربٓة والمُخادٓعة لاخفاء وجههم الحقيقي المتحالف مع المستبد زمن استبداده والمتحالف مع بقايا المستبد بعد سقوطه زمن الثورات، ضمن مربّع الثورة المضادة.
-الواقعة الأولى: أقدٓمٓ أحد هؤلاء المتحيلين الإيديولوجيين من المنتسبين إلى صفوف الطليعة بالجبهة الشعبية على خوض مفاوضات فردية سِرّية مع اليميني التجمعي يوسف الشاهد زمن مشاورات تشكيل حكومته اليمينيّة في أوت 2016 بهدف أن يظفر بمنصب وزير فيها، وذلك رغم رفض الجبهة الراديكالي والصريح المعلن وقتها، المشاركة في مشاورات هذه الحكومة.
-الواقعة الثانية: أقدم التيار الذي كان هذا المتحيل الايديولوجي والدخولي بإمتياز ، القيادي الأبرز فيه، في مرحلة الحملة الانتخابية للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، إلى الهروع إلى مساندة المرشح اليميني لمنظومة بن علي العائدة:الباجي قايد السبسي، مع أنّ موقف الجبهة الشعبية كان واضحا وهو رفض مساندة أيّٓ من المرشحين للدور الثاني:الباجي والمرزوقي.
بِما يعطيك الانطباع الواضح على أنّ أجندة هذا المتحيل الإيديولوجي ومجموعته بالانضمام إلى الجبهة الشعبية لم تكن دفاعا عن اليسار وسعيا لتوحيده كما ادّعى هو ومجموعته، وإنما لخدمة بقايا حزب التجمع العائد وتعبيد السبيل الانتخابي لرجوع بقايا منظومة الاستبداد البنعليني إلى الحكم.
الواقعة الثالثة والأهم: لعب هذا الدخولي الدور الأكبر في اشعال فتيل الخلاف داخل الجبهة وفي التمرد على قرارات مجلس أمنائها الديمقراطي والانزياح عن مسارها التوحيدي المنسجم، في انتخابات 2019 (التشريعية والرئاسية)، وكان هو وشركاؤه من المتحيلين الإيديولوجيين من أدخل مشروع الجبهة الشعبية برمته في مرحلة مرض الانقسام العضال الذي انتهى بموت الجبهة وتشتت مكوناتها نهائيا. الأمر الذي يبيّن لك حجم الثمن الباهظ جدا جدا جدا الذي يدفعه تكتل يساري كبير بطم طميمه لمجرد القبول حتى بعنصر واحد فيه أو أقلية محدودة جدا تكون من فئة المتحيلين الإيديولوجيين ويبيّن لك حجم القدرة التدميرية الفائقة للمتحيلين الايديولوجيين (حتى لو كانوا أقلية عددية لا تكاد تُذكر) على تفجير التنظيم من الداخل في وقت وجيز جدا.
نأتي الٱن إلى مرحلة أخرى برز فيها المتحيلون الايديولوجيون كأوضح ما يكون البروز، وهي مرحلة اقدام قيس سعيد على إنقلاب 25 جويلية 2021 وما بعده.
لقد كانت إشارات ذلك الانقلاب الرجعي على الديمقراطية وعلى مكتسبات الثورة وعلى محاولة غلق قوسها نهائيا وتعبيد الطريق السريعة للعودة مجددا للحكم الفردي المطلق وللدكتاتورية الظلماء، واضحة أمام أيّ يساريّ حقيقي منذ اللحظة الأولى للانقلاب ومنذ البيان رقم 1 للانقلاب الذي ألقاه سعيد مساء 25 وهو محاط بقيادات القوات المسلحة ومنذ أمٓرٓ سعيد بوضع مدرعة عسكرية أغلقت باب مجلس نواب الشعب ومنذ استهداف حرية الصحافة في الساعات الأولى بمنع رئيس رابطة حقوق الإنسان الأستاذ بسام الطريفي ومعه الكاتبة العامة لنقابة الصحافيين الزميلة أميرة محمد من المشاركة في برنامج حواري بالتلفزة الوطنية وبغلق مكتب قناة الجزيرة في تونس ومنذ بدأ قيس سعيد في وضع عديد الشخصيات السياسية تحت الإقامة الجبرية وبدأ نظامه في ملاحقة المعارضين.
ولأنّ كل تلك الإشارات المبكّرة كانت مكثفة على نية إنقلاب 25 جويلية العودة بالبلاد إلى الوراء القريب أي إلى نفق الدكتاتورية المظلم والتي دفع الشعب الأبي الثمن الباهظ من دماء شهيداته وشهدائه الزكية من أجل اسقاطها.فقد التقط اليساريون الحقيقيون تلك الإشارات وسارعوا إلى رفض الانقلاب والتنديد به مبكّرا وكان على رأس من رفضوا الانقلاب منذ البداية ودعوا إلى التصدي له حزب العمال وحزب القطب وعديد كُتّاب اليسار.
لقد كان إنقلاب 25 جويلية ذروة اشتغال الماكينة الحديدية الحقيقية للثورة المضادة في تهديم بنيان الديمقراطية في تونس ودكِّ مؤسساتها الوليدة دون هوادة ومحاولة محو معالمها وإعلاء الأسوار الكبيرة لمحاصرة نسائمها.
ولهذا كانت 25 جويلية اللحظة التاريخية الخطيرة والخطرة في ٱنٍ، المُوجِبة لأن يلتقطها كل ماركسيّ حقيقي ويتوثّب للتصدي لها باعتبارها انحرافا تشويهيا من الوزن الثقيل للثورة وطعنا بالغا لخاصرة الديمقراطية الوليدة ومنعرجا في الإتجاه المضاد والمعاكس تماما لسفينة المشروع الوطني الديمقراطي.
وبهذا المعنى، كانت لحظة إنقلاب 25 جويلية، لحظة حاسمة وفاصلة وموعدا خِصبا لفرز اليساريّين الحقيقيين من المتحيلين الإيديولوجيين.
وفعلا هذا ما كان.ففيما سارع اليساريّون الحقيقيون إلى إدانة إنقلاب 25 جويلية بسرعة ووصفوه بما يستحق من أنه إنقلاب على مسار ثورة الشعب الأبي على الدكتاتورية التي كان اليساريون مقاومين لها في سنوات الجمر جيلا بعد جيل.
فإنُ المتحيلين الايديولوجيين كان بالنسبة لهم إنقلاب 25 جويلية، فرصة لنزع القناع اليساري المغشوش عن وجوههم والتخلي عن التحافهم بِرِداء الدفاع عن الديمقراطية، ليقفزوا في مركب الانقلاب تماما كما قفزت أجيال سابقة من المتحيلين الإيديولوجيين في مركب “صانع التغيير” الدكتاتور بن علي في 1987 وساندوه وهلّلوا وكبّروا له ضد مصالح طبقات الشعب المقموع وحرية بناته وأبنائه وحقهم في الكرامة والانعتاق من نِير الاستبداد والضيم وفي العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعيش الكريم.
فمنذ اللحظة الأولى دخل المتحيّلون الايديولوجيون أفواجا أفواجا في خيمة الانقلاب، وكعادة المتحيلين الإيديولوجيين هِم حين يبرّرون لك أمر مساندتهم للاستبداد وللمستبد، يلجؤون إلى صنيعهم المعتاد لتجميل موالاتهم لنظام المستبد ومحاولة المخادعة بالزّعم أنّ موالاتهم تلك هي “اضطرار”.
هذا الصّنيع المعتاد لهم الذي أعنيه هو لعبهم في لوحة الاعدادات الخاصة بأهمّ مُرتكز نظريّ لتحليل الواقع وهو طبيعة التناقض القائم، فيُزوّرُون لك طبيعة التناقض القائم وطرفيه، ثم يُخرِجون لك من الجدار طرحا ٱخر لطبيعة التناقض القائم غير الطرح الحقيقي ويسمّون لك طرفي التناقض والأشياء بغير مُسمياتها، حين يحاولون اقناعك بأنّ مساندتهم للاستبداد وللمستبد هي نتيجة حتمية واضطرارية فرضتها طبيعة التناقض القائم للحماية مما هو أخطر من الاستبداد حسب زعمهم.
فعلوا ذلك حين برّروا مساندتهم للفاشستي بن علي ونظامه من خلال محاولتهم تصوير وتزوير طبيعة التناقض القائم وقتها على أساس أنه بين نظام علماني مدني وبين دولة دينية زعموا أن خطرها على الأبواب، في حين أنّ طبيعة التناقض الذي كان قائما طوال حقبة الاستبداد البنعليني كان في الحقيقة بين دولة استبدادية متوحشة فاسدة يمينية تابعة ووكيلة للامبريالية وبين شعب مطحون مسحوق مقموع سليب الإرادة ومحروم من حقه بأن يحكم نفسه بنفسه. والموقف السليم لليسار الوطني كان يقتضي وقتها أن يكون إلى صفّ الشعب طبعا في مواجهته للدكتاتورية نُصرة له في معركته تلك من أجل الحرية، لا أن يكون اليسار إلى صف النظام في قمعه للشعب طوال أكثر من عقدين من الزمن، مثلما فعل المتحيلون الإيديولوجيون.
أما عند إنقلاب 25 جويلية فقد سارع المتحيلون الإيديولوجيون كعادتهم إلى محاولة تزوير طبيعة التناقض القائم وزعموا أنه بين “رقم طليعي” إسمه قيس سعيد جاء لـِ “تصحيح مسار الثورة” وبين رجعية يمينية افتكت إرادة الشعب وهكذا صوّروا قيس سعيد وانقلابه وكأنّه حالة يسارية في مواجهة حالة انحراف يميني قائم.
بينما طبيعة التناقض القائم في الحقيقة ودون أدنى شك هو بين إنقلاب حقيقي على الدستور والشرعية باستخدام القوة العسكرية على مؤسسات الشعب الديمقراطية وبين مجتمع يرفض غلق قوس الديمقراطية التي دفع من أجلها الأرواح ويرفض الخنوع للاستبداد من جديد ويريد إستعادة إرادته الحرة على مؤسساته وقطع الطريق أمام هذه العودة المرفوضة للدكتاتورية.
وفي وسط هذا الرسم التضليلي لطبيعة التناقض القائم الذي اعتمده المتحيلون الإيديولوجيون لتبرير وتمرير سردية الموالاة لانقلاب 25 جويلية، انضمت أسماء جديدة إلى قافلة المتحيلين الإيديولوجيين بعضهم خلناهم كانوا معنا في معركتنا قبل الثورة ضد المستبد بن علي.
ولا شك أنّ لُعاب المتحيلين الإيديولوجيين سال لاحتمالية أن ينالوا مناصب ومغانم في عهد الدكتاتور الجديد قيس سعيد مثلما منح بن علي قبله مناصب للمتحيلين الايديولوجيين ومغانم لأحزابهم، إلا أن ميزة هذا الدكتاتور الجديد أنه لا يؤمن بالأحزاب أصلا حتى ولو كانت مساندة له ولم يفتح باب المشاركة السياسية لعديد من طبّلوا وزمّروا لعهده ممن ينسبون أنفسهم زورا وبهتانا لليسار.
ولذلك وبعد أن مرّت الٱن عديد السنوات على الانقلاب وتأكد المتحيلون الإيديولوجيون المطبّلون له أنهم خارج معادلات الحكم، بدأ بعضهم يقفز من السفينة ليحاول العودة إلى ارتداء القناع اليساري وشرٓع في التقرّب من الأحزاب اليسارية الحقيقية التي كانت ومازالت على يسار إنقلاب الشعبوي قيس سعيد.
وقد بدأ بعض هؤلاء المتحيلين الإيديولوجين في إطلاق بالونتهم المعتادة في الساحة وهي “المبادرة” المزعومة لِ”تجميع اليسار” وكأنهم هِم يساريون حقيقيون أصلا وكأنهم أوصياء على اليسار وليسوا عرّابي اليمين الشعبوي الاستبدادي الحاكم.
وطبعا يأتي إطلاقهم أخيرا لبالونة المحاولة المزعومة ل”توحيد اليسار” مع أنّ اليسار منهم براء، كخطة متكررة منهم لصنع طهورية جديدة لهم ينوُون استمدادها من الدخول في خيمة واحدة مع اليساريين الحقيقيين وخاصة من العمود الأيقوني الوطني في مسألة الموقف المبكّر من الانقلاب (بل الموقف الاستباقي) وفي النضال ضد الانقلاب، وأعني حزب العمال.
فاليوم وبعد أن تهاوت كل السرديات الكاذبة للمستبد الشعبوي قيس سعيد الذي سانده بقوة هؤلاء المتحيلين الإيديوجيين وبعد أن اكتشف الشعب زيف وعوده وبعد أن تبخرت شعبيته تماما ودخلت البلاد في عهده في أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة انهارت في ظلها الطاقة الشرائية للتونسيات والتونسيين إلى الدرك الأسفل من الاهتراء وانتشر الفقر والخصاصة والبطالة وتدهورت الخدمات العامة من كهرباء وماء ودواء ، فضلا عن الأزمة السياسية المتفاقمة والنفق المظلم الذي انحدرت إليه الحريات في تونس على يد سعيد في ظل تواصل امعانه في اعتقال القيادات السياسية للأحزاب ولمناضلي حقوق الإنسان وللصحافيين الأحرار ولأصحاب الرأي المخالف شيبا وشبابا ونساء ورجالا.
في ظل كل هذا، التقط المتحيلون الإيديولوجيون الإشارات متأخرة بأن الدلائل تتظافر كل يوم وأكثر من أي وقت مضى على اقتراب موسم غضب شعبي جديد مقبل في تونس ضد الحكم الشعبوي القائم.
فلم يجد هؤلاء المتحيلون الإيديولوجيون غير الخروج من قافلة “تصحيح المسار” ومحاولة العودة إلى قافلة اليسار.
ولكن ما فات هؤلاء المتحيلين الإيديولوجيين أنُ اليسار ليس خيمتهم ولن يكون، وأنّ اليساريين الحقيقيين استفادوا جيّدا من درس الجبهة الشعبية ولن يفسحوا المجال مجددا للمتحيلين الايديولوجيين أن ينضموا إلى القافلة ولن تكون هناك فرصة أخرى تمنح لدخول الدخوليّين مجددا في الصفوف الشريفة.
وقديما قال أجدادنا: “إنّ العواد في الدقيق الأحرش” يا صاحبي..




