
بقلم: خولة بوكريم – صحافية تونسية
إلى من يهمّه أمر الدولة واستمرارها، وإلى كل من يفكر منذ الآن في كيفية انتقال تونس من مرحلة إلى أخرى دون فراغ أو فوضى، وإلى كل من يبحث عن مخرج سياسي بعد نهاية منظومة قيس سعيّد ومنظومة 25 جويلية 2021.
أما بعد،
لا ينبغي لتونس أن تكرر الخطأ نفسه: أن تستبدل شخصًا بشخص، ثم تتجه مباشرة إلى انتخابات رئاسية فوق الأرضية السياسية والمؤسساتية نفسها، وبالقواعد المختلة نفسها، لتجد نفسها بعد سنوات أمام الأزمة ذاتها.
في تقديري، يمكن أن يكون أحد المخارج الممكنة مرحلة انتقالية قصيرة ومحددة زمنيًا، تمتد من سنة إلى سنة ونصف، وتُدار عبر مجلس رئاسي انتقالي يتكوّن من عشرة أعضاء ورئيس للمجلس، بما يحول دون احتكار القرار من شخص واحد أو تيار سياسي واحد.
ولا ينبغي أن يُعيّن هذا المجلس في الغرف المغلقة، ولا أن يكون نتاج محاصصة من قبيل: هذا ممثل الحزب الفلاني، وذاك ممثل التيار أو الجهة الفلانية. قبل الحديث عن الأسماء، يجب أولًا الاتفاق وطنيًا على القواعد: من يحق له الترشح؟ ما شروط النزاهة والاستقلالية؟ ما صلاحيات المجلس؟ كيف تُتخذ القرارات داخله؟ وما المدة القصوى للمرحلة الانتقالية؟
تجارب انتقالية مقارنة
ليست فكرة إدارة الانتقال عبر هيئة جماعية محددة الصلاحيات والمدة سابقة بلا تجارب. ففي جنوب إفريقيا أُنشئ المجلس التنفيذي الانتقالي متعدد الأحزاب سنة 1993 للإشراف على الانتقال نحو النظام الديمقراطي، قبل إجراء انتخابات 27 أفريل 1994 وإنهاء نظام الفصل العنصري.
وفي بنين قاد المؤتمر الوطني المنعقد بين 19 و28 فيفري 1990 إلى إنشاء مؤسسات انتقالية، من بينها المجلس الأعلى للجمهورية، ثم أُقر دستور جديد في ديسمبر 1990 وأُجريت الانتخابات التشريعية والرئاسية في فيفري ومارس 1991، وانتهى الانتقال بتداول سلمي على السلطة. أما بوركينا فاسو، فقد أُقر ميثاق انتقالي في نوفمبر 2014 بعد سقوط نظام بليز كومباوري، وأُنشئت مؤسسات انتقالية قادت البلاد، رغم محاولة انقلاب خلال المرحلة، إلى انتخابات رئاسية وتشريعية في 29 نوفمبر 2015 وإنهاء الفترة الانتقالية
وفي ليبيريا، أفضى اتفاق السلام الشامل الموقّع في أوت 2003، بعد سنوات من الحرب الأهلية، إلى إنشاء حكومة انتقالية وطنية ومجلس تشريعي انتقالي، تولّيا إدارة البلاد إلى حين تنظيم انتخابات عامة في أكتوبر ونوفمبر 2005. وانتهت المرحلة الانتقالية بتسليم السلطة إلى مؤسسات منتخبة، مع انتخاب إيلين جونسون سيرليف رئيسة للبلاد مطلع 2006. ورغم اختلاف السياق الليبيري عن الحالة التونسية، فإن التجربة تظل مثالًا على إمكانية استخدام ترتيبات انتقالية جماعية ومحددة المدة لمنع الفراغ وإعادة الشرعية عبر الانتخابات.
هذه التجارب لا تطابق بالضرورة صيغة المجلس الرئاسي المقترحة هنا من حيث التركيبة أو عدد الأعضاء، لكنها تؤكد أن تقاسم السلطة مؤقتًا، وتحديد قواعد المرحلة وآجالها مسبقًا، ثم تسليم الشرعية إلى مؤسسات منتخبة، يمكن أن يشكل مخرجًا من أزمات سياسية عميقة دون الوقوع في فراغ مؤسساتي.
من يحق له الترشح للمجلس؟
ينبغي أن يُفتح باب الترشح أمام شخصيات تونسية تمتلك الكفاءة والخبرة في الشأن العام أو المجالات القانونية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الاختصاصات التي تحتاجها الدولة في مرحلة انتقالية.
ولا أرى مبررًا لإقصاء شخص لمجرد امتلاكه خلفية سياسية، لكن من يدخل المجلس وهو يشغل مسؤولية قيادية في حزب سياسي عليه أن يجمد مسؤوليته الحزبية طوال المرحلة الانتقالية.
كما ينبغي ألا يكون أعضاء المجلس من العسكريين أو الأمنيين المباشرين وهم في حالة مباشرة لوظائفهم، حتى يظل المجلس مدنيًا، وتبقى المؤسستان العسكرية والأمنية خارج التنافس السياسي، ويقتصر دورهما على حماية الدولة والمواطنين وضمان استمرارية مؤسساتها في إطار القانون.
شروط النزاهة والاستقلالية
يتعيّن على كل مترشح التصريح علنًا بالمكاسب والمصالح، والكشف عن أي حالة محتملة لتضارب المصالح، وألا يكون قد صدر في حقه حكم قضائي نهائي في قضايا فساد أو جرائم خطيرة.كما يجب أن تتولى لجنة مستقلة التثبت من ملفات المترشحين وفق معايير واضحة ومعلنة مسبقًا، مع ضمان حق الطعن في قراراتها أمام المحكمة الإدارية.
ومن أهم الضمانات، في رأيي، أن يتعهد أعضاء المجلس الأحد عشر مسبقًا بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية أو التشريعية الأولى التي تُجرى عقب انتهاء المرحلة الانتقالية.
فالغاية هي ألا يدخل أي عضو إلى المجلس وهو يستعد في الوقت نفسه لحملته الانتخابية، وألا تتحول مؤسسات الدولة أو المرحلة الانتقالية إلى منصة لبناء مشروع شخصي للحكم.
من يختار أعضاء المجلس؟
لا ينبغي أن يكون اختيار أعضاء المجلس بيد حزب واحد أو مجموعة سياسية محدودة. يمكن أن تسبق عملية الاختيار مشاورات أو حوار وطني مكثف ومحدد زمنيًا، في حدود ثلاثة أسابيع مثلًا، تخرج منه هيئة انتقالية تمثيلية تضم طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمدنية والمنظمات الوطنية والشخصيات المستقلة.
ويجب أن تكون تركيبة هذه الهيئة وقواعد عملها معلنة للرأي العام منذ البداية، وأن تتلقى الترشيحات وفق شروط محددة ومعلنة، ثم تختار أعضاء المجلس بآلية تصويت واضحة وبأغلبية معززة، كأغلبية الثلثين، حتى لا يستطيع أي طرف سياسي فرض مرشحيه منفردًا.
المطلوب هنا ليس أن يحب جميع التونسيين الأشخاص الأحد عشر أو أن يتفقوا عليهم جميعًا، فهذا أمر يكاد يكون مستحيلًا. المطلوب أساسًا أن تكون طريقة اختيارهم مشروعة وشفافة ومتوازنة، وألا يسيطر عليها طرف واحد.
كيف نمنع تعطيل المجلس؟
لا أعتقد أن فرض الإجماع على جميع القرارات سيكون فكرة جيدة، لأن ذلك قد يمنح عضوًا واحدًا القدرة على تعطيل الدولة بأكملها.
يمكن أن تُتخذ القرارات العادية بالأغلبية، في حين تحتاج القرارات الكبرى والسيادية إلى أغلبية معززة، مثل ثلثي أعضاء المجلس. أما رئيس المجلس، فتكون مهمته إدارة الاجتماعات، وتمثيل الدولة، والسهر على تنفيذ قرارات المجلس، دون امتلاكه حق نقض فردي، ودون تحويل منصبه إلى نسخة جديدة من رئاسة جمهورية ذات صلاحيات مطلقة.
فالقاعدة الأساسية يجب أن تكون واضحة: القرار داخل المجلس جماعي، لا فردي. وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول المجلس الرئاسي إلى حكومة ثانية. تُشكَّل حكومة انتقالية تتولى إدارة الاقتصاد والخدمات والإدارة والشؤون اليومية للدولة، بينما يتركز دور المجلس الرئاسي على ضمان استمرارية الدولة واحترام خارطة الطريق والآجال المحددة للانتقال.
ما مهام المرحلة الانتقالية؟
المهمة الأساسية للمرحلة ليست إنتاج نظام دائم جديد، وإنما إعادة بناء المؤسسات الدستورية والضمانات التي تحول دون عودة الحكم الفردي.
ويشمل ذلك إرساء المحكمة الدستورية، وإصلاح القانون الانتخابي والمؤسسات المشرفة على الانتخابات، وضمان استقلال القضاء والإعلام، ووضع الحد الأدنى من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لاستقرار البلاد.
كما يجب أن يكون ملف المعتقلين والمحاكمات ذات الطابع السياسي من الملفات ذات الأولوية.
فمن أولى مهام المرحلة الانتقالية إنهاء استخدام القضاء والقوانين الزجرية أداةً لتصفية الخصومات السياسية أو معاقبة حرية التعبير والعمل السياسي السلمي، ومراجعة الملفات التي قامت على هذا الأساس في إطار قانوني وقضائي واضح.
ويشمل ذلك مراجعة وإلغاء النصوص الزجرية التي استُعملت لتجريم التعبير والعمل الصحفي والسياسي السلمي، وفي مقدمتها المرسوم عدد 54، إلى جانب وضع آلية قانونية واضحة لإسقاط العقوبات أو مراجعة الأحكام المتعلقة بجرائم الرأي والنشاط السياسي السلمي، مع إمكانية إصدار قانون عفو محدد ودقيق في هذا الإطار.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، إسقاط قضايا الحق العام أو الفساد أو الجرائم الخطيرة تحت عنوان «المعتقلين السياسيين»، بل يجب أن تبقى تلك القضايا خاضعة لقضاء مستقل وضمانات المحاكمة العادلة.
انتقال له تاريخ انتهاء
المرحلة الانتقالية نفسها يجب ألا تتحول إلى نظام دائم.يمكن تحديد مدتها الأصلية باثني عشر شهرًا، مع إمكانية تمديدها استثنائيًا مرة واحدة فقط ولمدة لا تتجاوز ستة أشهر، في حال وجود أسباب جدية تحول دون استكمال المسار في موعده.
والأهم أن المجلس الرئاسي لا ينبغي أن يمتلك بمفرده سلطة تمديد ولايته. وبمجرد إجراء الانتخابات وتنصيب المؤسسات الجديدة، تنتهي ولاية المجلس الانتقالي آليًا دون الحاجة إلى قرار سياسي جديد.
بعد ذلك يعود الشعب ليكون صاحب القرار، عبر انتخابات حرة وتنافسية، تُجرى على أرضية أكثر وضوحًا وفي ظل مؤسسات وضمانات أكثر توازنًا.
السؤال المطروح اليوم، بالنسبة لي، ليس فقط:
من سيأتي بعد قيس سعيّد؟
السؤال الأهم هو:
بأي مؤسسات؟ وبأي ضمانات؟ وبأي قواعد سنُحكم بعده؟
المطلوب ليس البحث منذ الآن عن «الرئيس القادم»، بل الاتفاق منذ الآن على القواعد والمؤسسات التي تجعل أي رئيس قادم عاجزًا عن إعادة إنتاج الحكم الفرديلأن الأشخاص يتغيرون، أما الضمان الحقيقي فيبقى في المؤسسات والقواعد التي تمنع البلاد من العودة، في كل مرة، إلى نقطة البداية.
خولة بوكريم صحافية تونسية




