نشرت صفحة مرصد الحرية لتونس تدوينة على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أكدت من خلالها أن النيابة العمومية بقفصة استأنفت الحكم الابتدائي القاضي بعدم سماع الدعوى في حق الصحفي هادي الرداوي، والنقابي مكرم حسني، وذلك على خلفية قضية تعلقت بتقرير صحفي تناول تحركًا احتجاجيًا لأعوان الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بقفصة.
ويأتي هذا الاستئناف بعد أن كانت المحكمة الابتدائية بقفصة قد أصدرت يوم 14 جويلية 2026 حكمًا بعدم سماع الدعوى في حق الصحفي هادي الرداوي والكاتب العام للنقابة الأساسية لأعوان الهيئة بالجهة مكرم حسني، لتنقل القضية بذلك إلى الطور الاستئنافي بعد أن حُسمت ابتدائيًا لفائدتهما.
وتعود أطوار القضية إلى شهر سبتمبر 2025، عندما أعدّ الصحفي هادي الرداوي تقريرًا مصورًا تم نشره عبر منصتي “كشف ميديا” و**”الشعب نيوز”**، تناول وقفة احتجاجية نظمها أعوان الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بقفصة بإشراف نقابتهم الأساسية.
وكان المحتجون قد طالبوا خلال هذا التحرك بإصدار النصوص الترتيبية المنظمة لمسارهم المهني، وتسوية حقوقهم ومستحقاتهم المادية، كما عبّروا عن رفضهم لما اعتبروه إجراءات وممارسات إدارية تعطل أداء مهامهم داخل المؤسسة.
وعقب نشر التقرير الصحفي، تقدمت الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية بقفصة بشكاية ضد الصحفي هادي الرداوي ومكرم حسني، ليتم على إثرها إحالتهما على المحكمة الابتدائية بقفصة والنظر في التهم موضوع التتبع.
وفي إطار المسار القضائي للقضية، مثل هادي الرداوي رفقة الطرف النقابي أمام النيابة العمومية يوم 12 فيفري 2026، حيث تم الإبقاء عليهما بحالة سراح. وخلال جلسة 14 أفريل 2026، طلبت هيئة الدفاع تأخير النظر في الملف للاطلاع على مختلف وثائقه وإعداد وسائل الدفاع، قبل أن يتم تحديد جلسة 23 جوان للمرافعة.
وخلال جلسة المرافعة، تمسكت هيئة الدفاع ببطلان الإحالة وطلبت الحكم بعدم سماع الدعوى، مؤكدة أن القضية ترتبط بشكل مباشر بممارسة الصحفي لعمله المهني، وأن هادي الرداوي لم يكن طرفًا في النزاع الإداري القائم بين أعوان الهيئة وإدارتها، بل قام بدوره الصحفي المتمثل في نقل وقائع تحرك احتجاجي وتصريحات المشاركين فيه إلى الرأي العام.
كما أكدت هيئة الدفاع أن التقرير الصحفي تناول قضية ذات مصلحة عامة مرتبطة بحقوق مهنية ومادية وبأداء مؤسسة عمومية، وأن الصحفي لا يتحمل المسؤولية الجزائية عن التصريحات التي ينقلها في إطار تغطية حدث عام، ما دام يقدمها ضمن سياقها المهني ولا ينسبها إلى نفسه أو يعرضها باعتبارها حقائق ثابتة بمعزل عن أصحابها.
وبعد الاستماع إلى مرافعات الدفاع ومطالب النيابة العمومية التي كانت قد طالبت بالإدانة، قررت المحكمة الابتدائية بقفصة يوم 14 جويلية 2026 الحكم بعدم سماع الدعوى في حق هادي الرداوي ومكرم حسني، قبل أن تستأنف النيابة العمومية هذا الحكم.
من جهته، عبّر مرصد الحرية لتونس عن انشغاله من قرار استئناف الحكم، معتبرًا أن مواصلة ملاحقة صحفي بسبب إعداد تقرير حول تحرك نقابي مشروع تمثل تضييقًا غير مبرر على حرية الصحافة وعلى حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالمؤسسات العمومية.
وشدد المرصد على أن الصحافة ليست طرفًا في النزاعات التي تقوم بتغطيتها، وأن تحميل الصحفيين مسؤولية تصريحات النقابيين أو المحتجين التي يتم نقلها في إطار عمل مهني من شأنه أن يحول التغطية الإعلامية نفسها إلى مصدر للمساءلة والعقاب.
كما اعتبر المرصد أن تتبع مكرم حسني بسبب علاقته بتحرك نقابي وتصريحات وردت ضمن تقرير صحفي يمس الحق في العمل النقابي وفي التعبير عن المطالب المهنية، محذرًا من أن مثل هذه التتبعات قد تبعث برسائل ترهيب إلى ممثلي العمال الراغبين في الدفاع عن حقوق منظوريهم وإيصال مشاغلهم إلى الرأي العام.
ويرى مرصد الحرية لتونس أن استئناف الحكم، رغم أن المحكمة الابتدائية نظرت في الملف واستمعت إلى مختلف الأطراف وانتهت إلى عدم سماع الدعوى، يطيل مسارًا قضائيًا كان بالإمكان تفاديه باعتبار أن الأمر يتعلق بمادة صحفية تناولت موضوعًا يهم الشأن العام.
وحذر المرصد من أن تكرار الملاحقات ضد الصحفيين بسبب تغطية الاحتجاجات الاجتماعية والنقابية يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الإعلام الجهوي والحد من نقل أصوات الفئات المهنية والاجتماعية، خاصة في الجهات الداخلية التي تمثل فيها الصحافة إحدى الوسائل الأساسية لإيصال مطالب المواطنين.
وطالب مرصد الحرية لتونس بإيقاف التتبعات ضد الصحفي هادي الرداوي ومكرم حسني وتأييد الحكم القاضي بعدم سماع الدعوى، وضمان عدم محاكمة الصحفيين بسبب نقل تصريحات أو تغطية تحركات اجتماعية ونقابية ذات مصلحة عامة، إضافة إلى إخضاع القضايا المرتبطة مباشرة بالعمل الصحفي لأحكام المرسومين عدد 115 و116 لسنة 2011، وعدم اللجوء إلى النصوص الجزائية العامة بما يشكل التفافًا على الضمانات التي يوفرانها.
كما دعا إلى حماية النقابيين من الملاحقة بسبب التعبير عن مطالب منظوريهم أو المشاركة في تحركات مهنية سلمية، ووضع حد للشكايات والتتبعات التي تستعمل للضغط على الصحفيين أو منعهم من مساءلة المؤسسات والمرافق العمومية، مع التأكيد على ضرورة احترام حرية الصحافة والعمل النقابي وحق الجمهور في الاطلاع على أوضاع المؤسسات والخدمات العامة.




