قدّم أسامة بوعجيلة، مدير مكتب شمال إفريقيا لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، خلال ندوة صحفية خُصصت لعرض التقرير السنوي حول حرية الصحافة في العالم، قراءة شاملة لأبرز التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي الدولي، مؤكدًا أن سنة 2026 سجّلت “تراجعًا غير مسبوق” في مؤشرات حرية التعبير والعمل الصحفي.
وأوضح بوعجيلة أن التصنيف العالمي الأخير يُظهر أن أكثر من نصف دول العالم باتت تُصنَّف ضمن خانة “الوضع الصعب أو الخطير جدًا”، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، “تدهورًا بنيويًا متسارعًا في بيئة العمل الصحفي خلال السنوات الأخيرة”.
تصنيف مقلق في المنطقة العربية وشمال إفريقيا
وفي ما يتعلق بالمنطقة، قدّم التقرير معطيات لافتة حول ترتيب عدد من الدول:
فلسطين جاءت في المرتبة 156، في سياق شديد التعقيد يرتبط بتداعيات الحرب واستهداف الصحفيين وصعوبة التغطية الميدانية في مناطق النزاع.
تونس تراجعت إلى المرتبة 137، وسط تصاعد التتبعات القضائية وتوظيف نصوص قانونية، أبرزها المرسوم 54، ضد صحفيين وإعلاميين.
الجزائر سجلت تراجعًا إضافيًا لتصل إلى المرتبة 145، مع استمرار الضغوط السياسية والقضائية على الصحافة المستقلة.
المغرب جاء في مراتب متأخرة نسبيًا أيضًا، وسط انتقادات تتعلق باستمرار القيود على حرية التعبير رغم وجود تعددية إعلامية شكلية.
تجريم متزايد للعمل الصحفي
وأشار بوعجيلة إلى أن أبرز ما يميز التراجع العالمي هو “التوسع في تجريم العمل الصحفي”، عبر استخدام قوانين الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى تشريعات فضفاضة تُستعمل لملاحقة الصحفيين والحد من حرية النشر.
ولفت إلى أن المؤشر القانوني سجل هذا العام من أكبر نسب التراجع، ما يعكس – حسب قوله – “اتجاهًا عالميًا نحو تقليص الحق في الوصول إلى المعلومات حتى في بعض الديمقراطيات”.
الحروب والتضليل الإعلامي
وتوقف التقرير عند تأثير النزاعات المسلحة على حرية الصحافة، مشيرًا إلى أن مناطق الحروب تشهد استهدافًا مباشرًا للصحفيين، إضافة إلى تقييد التغطية الإعلامية.
كما حذّر من تصاعد ظاهرة التضليل الإعلامي، التي أصبحت “أداة موازية لإضعاف الصحافة المهنية وتقويض ثقة الجمهور في الإعلام”.
شمال إفريقيا: ضغوط قانونية واقتصادية
وفي ما يخص منطقة شمال إفريقيا، أكد التقرير أن الوضع يتميز بتزايد الضغوط القانونية والاقتصادية على وسائل الإعلام، ما أدى إلى تراجع الاستقلالية التحريرية وتوسع الرقابة الذاتية، إلى جانب تعدد أشكال التتبعات القضائية ضد الصحفيين.
تونس بين التعددية والتضييق
وبخصوص تونس، أشار التقرير إلى وجود مشهد إعلامي يجمع بين تعددية ظاهرية وتضييق متصاعد على حرية التعبير، خاصة مع تفعيل المرسوم 54 وتزايد الملاحقات القضائية، إضافة إلى هشاشة اقتصادية أثرت على استقلالية العديد من المؤسسات الإعلامية.
دعوة إلى حماية حرية الصحافة
وختم أسامة بوعجيلة مداخلته بالتأكيد على أن تراجع حرية الصحافة لم يعد ظرفيًا بل “اتجاهًا عالميًا مقلقًا”، داعيًا إلى تعزيز الحماية القانونية للصحفيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وضمان الحق في الحصول على معلومة موثوقة ومتعددة المصادر.
وشدد على أن الدفاع عن حرية الصحافة “شرط أساسي لحماية الديمقراطية وترسيخ الحق في المعرفة”.




