نشرت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس بيانًا عبرت من خلاله عن قلقها إزاء ما وصفته بمناخ متصاعد من القمع يستهدف الصحفيين والمعارضين ونشطاء المجتمع المدني، في مؤشر على انحراف مقلق ومتواصل عن مسار احترام الحقوق والحريات الأساسية.
وأوضح البيان أن هذا التوجه يتجلى في تكاثر الملاحقات القضائية وقمع الأصوات الناقدة، إلى جانب التدهور الخطير في أوضاع احتجاز عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية.
وفي هذا السياق، تم في 24 أفريل 2026 وضع الصحفي زياد الهاني قيد الحراسة النظرية لمدة 48 ساعة، استنادًا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، وذلك على خلفية تعبيره عن رأي نقدي على وسائل التواصل الاجتماعي بخصوص قرار قضائي مرتبط بقضية الصحفي خليفة القاسمي. واعتبرت اللجنة أن هذا النص القانوني، الذي ينص على عقوبات تصل إلى سنتين سجنًا، يُساء استخدامه لتجريم حرية التعبير وإسكات الأصوات المعارضة.
وأكدت اللجنة أن هذه الحالة ليست معزولة، بل تندرج ضمن هجوم أوسع على حرية الصحافة، مشيرة إلى استمرار احتجاز الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيس منذ أكثر من 700 يوم، مع تعرضهما لاحقًا لأحكام إضافية في إطار ملاحقات قضائية وصفتها بالواضحة. كما حذرت من تهديدات خطيرة تطال وسائل إعلام مستقلة، من بينها منصة “إنكيفاضة”.
وفي ما يتعلق بالمجتمع المدني، أشار البيان إلى تعرض منظمات مثل الخط والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لضغوط متعددة — إدارية وقضائية ومالية — في مسعى لإضعافها، مع استهداف خاص لمسؤولي المنتدى.
كما نددت اللجنة بقرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر، معتبرة ذلك انتهاكًا مباشرًا وخطيرًا لحرية تكوين الجمعيات.
على الصعيد السياسي والقضائي، رصد البيان تواصل ما وصفه بسياسة الملاحقة المنهجية، حيث تواجه سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، سلسلة من الإجراءات منذ عام 2023، وهي مهددة مجددًا بالسجن.
كما تم إيداع العميد السابق للمحامين شوقي الطبيب السجن في أفريل 2026، في سياق تعدد القضايا ضده.
وفي ما يعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”، أشار البيان إلى صدور أحكام قاسية للغاية تصل إلى 66 سنة سجنًا، في ختام إجراءات قالت اللجنة إنها شابتها خروقات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، واستهدفت عددًا من الشخصيات السياسية البارزة.
ومن بين هذه القضايا، يبرز وضع راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة والرئيس السابق لمجلس نواب الشعب، المحتجز منذ أفريل 2023، والذي يواجه سلسلة من القضايا تشمل التآمر على أمن الدولة والتمويل الأجنبي واتهامات مرتبطة بالإرهاب.
وفي أبريل 2026، صدر بحقه حكم بالسجن 20 عامًا في قضية تتعلق باجتماعات سياسية، أضيف إلى أحكام أخرى، منها 20 عامًا في الاستئناف في قضية منفصلة، و3 سنوات بسبب التمويل الأجنبي، ليصل مجموع العقوبات إلى عدة عقود من السجن.
كما تطرّق البيان إلى قضية خيام التركي، الذي أُوقف في 2023، ويُلاحق في إطار قضية التآمر إلى جانب ملفات مالية. وفي أفريل 2026، حُكم عليه بالسجن 14 عامًا بتهمة غسل الأموال والاحتيال، وهي عقوبة تُضاف إلى أحكام أخرى ثقيلة تصل إلى عشرات السنوات. وأشارت هيئة الدفاع إلى أن بعض الوقائع المالية سبق أن نُظر فيها في الخارج، خاصة في سويسرا، وانتهت بالبراءة، ما يثير تساؤلات حول اتساق الملاحقات.
كما عبّرت اللجنة عن قلقها الشديد إزاء تدهور الحالة الصحية لعدد من المعتقلين، خاصة جوهر بن مبارك الذي يخوض إضرابًا عن الطعام منذ 28 يومًا، في ظل مخاطر تهدد حياته، إلى جانب شيماء عيسى التي تعاني من آلام حادة في الرقبة في منطقة خضعت سابقًا لعملية جراحية، وسط مخاوف من عدم توفير الرعاية الطبية اللازمة، وهو ما يعيد إلى الأذهان التحذيرات التي أثيرت خلال إضرابها عن الطعام في 2025.
وأكدت اللجنة أن الوضع الراهن لم يعد يحتمل الاكتفاء بالتحذير، بل يستوجب التنديد الحازم بمسار يقوض المكاسب الديمقراطية، مشددة على أن احترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء وحماية الحريات الأساسية ليست مسائل قابلة للتفاوض.
ودعت السلطات التونسية إلى جملة من الإجراءات العاجلة، من بينها الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين وسجناء الرأي، بمن فيهم زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيس، وضمان حماية حياة وصحة المحتجزين عبر توفير رعاية طبية مستقلة، خاصة لـ جوهر بن مبارك وشيماء عيسى.
كما طالبت بوقف الاستعمال التعسفي للفصل 86 من مجلة الاتصالات، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة، ووقف الملاحقات التي تستهدف المعارضين والصحفيين، إلى جانب إنهاء كل أشكال المضايقة ضد الجمعيات، وإلغاء قرار تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وضمان استقلال القضاء واحترام التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وفي ختام بيانها، دعت اللجنة مختلف القوى الحية — من منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب والصحفيين والمثقفين والمواطنين — إلى التعبئة والتضامن، وتوحيد الجهود للدفاع عن حرية التعبير والصحافة وحرية تكوين الجمعيات، وتكثيف المبادرات السلمية للضغط من أجل وقف الانتهاكات، مؤكدة أن الدفاع عن الحريات الأساسية مسؤولية جماعية تتطلب تحركًا واسعًا وحازمًا للحفاظ على مكتسبات دولة القانون.




