اعتبر السياسي والمحامي التونسي محمد عبو خلال حوار له على موقع توميديا مساء اليوم أن النداء الذي وجّهه عدد من المعتقلين السياسيين من داخل سجن المرناقية وسجون أخرى، ومن بينهم شيماء عيسى وراشد الغنوشي وأحمد نجيب الشابي، لا يمكن اعتباره مجرد مبادرة سياسية، بل هو رسالة صادرة عن أشخاص يوجدون في موقع استثنائي داخل السجون، داعين من خلالها المعارضة إلى تحمل مسؤولياتها تجاه ما تعيشه البلاد.
وأوضح عبو أن أصحاب النداء يوجدون في وضعية ضعف بحكم وجودهم داخل السجون، وأنهم في الأصل ليسوا في موقع يسمح لهم بقيادة أحزابهم أو اتخاذ القرارات السياسية نيابة عن القوى المعارضة، مضيفًا أن الأولوية بالنسبة إليه تبقى الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، مؤكداً أن هذا المطلب لا ينبغي أن يكون محل نقاش أو خلاف.
وقال إن هؤلاء المعتقلين، رغم ظروفهم الإنسانية الصعبة، لم يجعلوا مطلب حريتهم محور رسالتهم، بل تجاوزوا أوضاعهم الشخصية ليدعوا القوى السياسية إلى القيام بما يجب القيام به، معتبراً أن ذلك يعكس إدراكهم لخطورة المرحلة التي تمر بها تونس.
وأضاف أن المعارضة اليوم تعيش حالة من الضعف، ليس فقط بسبب الضغوط التي تواجهها أو بسبب قيس سعيد فقط، وإنما أيضاً نتيجة تشتتها وعدم قدرتها على اتخاذ موقف موحد، مشيراً إلى أن المطلوب ليس توحيد الأحزاب أو إنهاء خلافاتها الفكرية والسياسية، وإنما الاتفاق على موقف مشترك يتعلق بالأزمة التي تعيشها البلاد.
وشدد على أن المطلوب من مختلف النخب السياسية هو تقديم تصورات تسمح بإحداث تغيير في تونس، مؤكداً أنه لا يدافع عن رأي شخصي بقدر ما ينقل روح الرسالة التي وجّهها المعتقلون السياسيون، والتي تدعو إلى تجاوز الحسابات الضيقة والعمل من أجل إنقاذ البلاد.
ورأى عبو أن النخب السياسية مطالبة اليوم بإظهار قدر من الشجاعة السياسية، لأن ذلك من شأنه أن يعيد إليها جزءاً من مصداقيتها أمام الرأي العام، خاصة في ظل حالة الحيرة التي يعيشها عدد كبير من التونسيين الذين ينتظرون مبادرات جدية من الطبقة السياسية.
كما اعتبر أن التغييرات الكبرى في تاريخ الشعوب غالباً ما تبدأ بمواقف تتخذها النخب السياسية والفكرية، موضحاً أن المقصود بالنخب ليس الامتياز الاجتماعي أو التفوق على بقية المواطنين، وإنما الأشخاص الذين اختاروا الانخراط في العمل العام وتحمل مسؤولية الشأن السياسي، سواء كانت مواقفهم صحيحة أو خاطئة.
وأكد أن المطلوب اليوم من هذه النخب هو الجلوس إلى طاولة واحدة، ليس من أجل الاتفاق على حكومة مشتركة أو دستور جديد أو برنامج اقتصادي موحد، وإنما للاتفاق على كيفية إخراج تونس من أزمتها الحالية ووضع حد لحالة الانسداد السياسي التي تعيشها البلاد.
واصل محمد عبو التأكيد على أن الأزمة التي تعيشها تونس لا يمكن أن تستمر على حالها، معتبراً أن استمرار الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة يفرض على القوى المعارضة التحرك بشكل أكثر فاعلية، بدل الاكتفاء بانتظار مبادرات من أطراف أخرى.
وقال إن قراءته للمشهد السياسي تجعله يعتقد أن مختلف الاحتمالات تبقى مفتوحة، مشيراً إلى أن التحولات الكبرى في تاريخ تونس لم تكن من صنع المعارضة وحدها ولا من صنع مؤسسات الدولة وحدها، بل جاءت نتيجة تفاعل عوامل متعددة، لافتاً إلى أن بعض المسؤولين داخل مؤسسات الدولة اتخذوا في مراحل مفصلية مواقف وصفها بـ”البطولية” عندما رفضوا الانخراط في مواجهة الشعب.
وأضاف أن ما يعيق اليوم تطبيق النداء الصادر عن المعتقلين السياسيين هو غياب مبادرة جدية من النخب السياسية، معتبراً أن هذه النخب هي الأكثر قدرة على إطلاق ديناميكية جديدة، خاصة أنها رفعت طوال سنوات شعارات تتعلق بالدفاع عن الوطن والديمقراطية والحقوق والحريات.
وأكد أن المطلوب ليس إنهاء الخلافات الإيديولوجية بين الأحزاب، وإنما الاتفاق على نقطة مركزية تتمثل في كيفية إحداث تغيير سياسي في البلاد، مشدداً على أن تونس لم تعد قادرة على مواصلة المسار الحالي، وأن الكرامة الوطنية للتونسيين تقتضي البحث عن مخرج للأزمة.
وفي تقييمه للوضع السياسي، اعتبر عبو أن الخلاف مع رئيس الجمهورية لم يعد مجرد خلاف سياسي عادي، بل أصبح مرتبطاً، وفق تقديره، بطريقة إدارة الدولة خلال السنوات الأخيرة، مضيفاً أن مرور هذه السنوات دون حلول حقيقية يعكس، من وجهة نظره، فشل المسار القائم في معالجة الأزمات التي تواجهها البلاد.
ورأى أن المعارضة مطالبة بخلق رأي عام يدفع نحو التغيير، موضحاً أن دورها لا يتمثل في قيادة الناس بشكل مباشر، وإنما في تشجيعهم على الانخراط في الشأن العام، وإقناعهم بأن التغيير السلمي ممكن عندما تتوفر الإرادة الجماعية.
واستحضر عبو تجربة ما قبل الثورة التونسية، معتبراً أن الأحزاب السياسية آنذاك لم تكن صاحبة الدور الحاسم في إسقاط النظام، لكنها ساهمت في تشجيع المواطنين على التعبير عن مواقفهم، وهو ما ساعد لاحقاً على تشكل رأي عام واسع مهّد للتحولات التي شهدتها البلاد.
وأكد أن دور السياسيين اليوم ينبغي أن يقتصر على تأطير المواطنين وتشجيعهم، وليس الادعاء بقدرتهم على قيادة الشعب بمفردهم، معتبراً أن الشعب التونسي هو صاحب الدور الأساسي في أي تغيير ديمقراطي مستقبلي.
كما دعا إلى الوضوح في الخطاب السياسي، قائلاً إن على المعارضة أن تعلن بوضوح رؤيتها لمستقبل البلاد وما تعتبره مخرجاً من الأزمة، لأن الاكتفاء بانتقاد الوضع القائم دون تقديم تصور بديل لن يكون كافياً لإقناع الرأي العام.
أكد محمد عبو أن ما يعيق القوى السياسية في تونس اليوم هو غياب وحدة الحد الأدنى بين مكونات المعارضة، معتبراً أن هذه الوحدة لا تعني الذوبان أو إنهاء الخلافات، بل تعني فقط الاتفاق على موقف مشترك تجاه الوضع العام في البلاد.
وقال إن المطلوب ليس بناء تحالف دائم أو حزب واحد، وإنما توافق سياسي ظرفي حول أولويات المرحلة، وفي مقدمتها كيفية إحداث تغيير سياسي حقيقي في تونس، مشيراً إلى أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولاً في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واتساع حالة الاحتقان الشعبي.
وأضاف أن المعارضة، رغم تعدد مكوناتها، مطالبة اليوم بأن تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، وأن تتصرف كقوة مسؤولة أمام تاريخ البلاد، لأن اللحظة السياسية الحالية، وفق تعبيره، تفرض قرارات واضحة لا تحتمل التأجيل وهي رحيل قيس سعيد.
وفي حديثه عن الرئيس قيس سعيّد، اعتبر عبو أن الإشكال القائم ليس مجرد خلاف سياسي عادي، بل يتعلق بمسار حكم كامل استمر لسنوات، لافتاً إلى أن تقييم هذا المسار يبقى مختلفاً بين الأطراف السياسية، لكنه يرى أنه أدى إلى انسداد سياسي واضح و عليه يجب أن يغادر .
وشدد على رفضه لأي خيار عنيف أو أي مسار يؤدي إلى إراقة الدماء، مؤكداً أن أي تغيير في تونس يجب أن يتم بأقل كلفة ممكنة، وفي إطار يحفظ استقرار الدولة والمجتمع.
وفي ما يتعلق بما يُتداول حول وجود مساومات أو صفقات للإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين، قال عبو إنه لا يملك معطيات مؤكدة حول ذلك، لكنه سمع بوجود محاولات أو اتصالات في هذا الاتجاه، دون أن يؤكد صحتها أو ينفيها.
كما جدّد تأكيده على أن الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين يجب أن يكون مطلباً أساسياً وفورياً، معتبراً أن استمرار سجنهم يمثل أحد أبرز مظاهر الأزمة السياسية الحالية في البلاد.
وختم عبو مداخلته بدعوة واضحة إلى إنهاء ما وصفه بـ”العبث السياسي” في تونس، والذهاب نحو مبادرة وطنية جامعة بين مختلف القوى الديمقراطية، قادرة على بلورة تصور مشترك لإنقاذ البلاد من أزمتها، مؤكداً أن اللحظة الحالية تتطلب وضوحاً وشجاعة سياسية أكبر من كل الأطراف.




