نشرت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس، يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، مقالا سلط من خلاله الضوء على مرور سنة كاملة على إيقاف بثينة بن يغلان، المديرة العامة السابقة لصندوق الودائع والأمانات وكاتبة الدولة السابقة لدى وزير المالية والأستاذة الجامعية، مطالبا بالإفراج الفوري عنها، على خلفية استمرار احتجازها دون صدور حكم قضائي في حقها أو الإعلان عن موعد لمحاكمتها.
وأوضحت اللجنة أن بثينة بن يغلان أوقفت يوم 2 أكتوبر 2025، في إطار تحقيق قضائي فتحه القطب القضائي الاقتصادي والمالي، مشيرا إلى أنه، وبعد مرور عام على إيداعها السجن، لم يصدر أي حكم بإدانتها، كما لم يعلن عن تحديد جلسة لمحاكمتها علنا.
وأضافت أن الوقائع المنسوبة إليها شخصيا، والأدلة المعتمدة ضدها، والأسباب الفعلية التي تبرر استمرار إيقافها، لا تزال غير معروفة بصورة دقيقة، معتبرا أن استمرار احتجازها في ظل غياب محاكمة معلنة يثير تساؤلات بشأن احترام ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.
قضية تتعلق بالتصرف في صندوق الودائع والأمانات
وأشارت اللجنة إلى أن القضية تعود إلى أواخر سبتمبر 2025، حين فتح القطب القضائي الاقتصادي والمالي تحقيقا بشأن التصرف في صندوق الودائع والأمانات، على خلفية شبهات تتعلق بالفساد المالي والإداري، وبالظروف التي منحت في إطارها قروض وتمويلات وتسهيلات لفائدة مؤسسات خاصة.
وبيّنت أن الملف يشمل عددا كبيرا من الأشخاص، إذ تحدثت وسائل إعلام عن أكثر من أربعين شخصا معنيا بالقضية، من بينهم مسؤولون سابقون بوزارة المالية. كما سبق لمحكمة المحاسبات أن سجلت نقائص وإخلالات إجرائية في التصرف في الصندوق.
وشددت اللجنة على أن وجود نقائص في حوكمة مؤسسة عمومية، مهما بلغت خطورتها، لا يكفي في حد ذاته لإثبات المسؤولية الجزائية الشخصية لشخص بعينه، مؤكدا ضرورة أن يستند التحقيق إلى وقائع محددة وقرارات واضحة وأدلة تخضع للنقاش والمواجهة بين أطراف القضية.
واعتبرت أن فتح تحقيق جدي لتحديد المسؤوليات أمر ضروري، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى آلية للإبقاء على الأشخاص في السجن لفترات مطولة دون محاكمة.
تسلسل زمني للإيقاف وتمديد الاحتفاظ بالسجن
واستعرضت اللجنة أبرز المحطات القضائية في القضية، موضحا أن قاضي التحقيق أصدر يوم 1 أكتوبر 2025 بطاقتي إيداع بالسجن في حق رجل الأعمال أحمد عبد الكافي ومسؤول سام سابق مرتبط بوزارة المالية، وذلك في إطار الملف نفسه.
وفي اليوم الموالي، الموافق لـ2 أكتوبر 2025، صدر قرار بإيداع بثينة بن يغلان السجن، على خلفية فترة توليها إدارة صندوق الودائع والأمانات، وهي المسؤولية التي شغلتها من أفريل 2016 إلى أوت 2021.
وفي 29 مارس 2026، قرر قاضي التحقيق التمديد في مدة إيقافها التحفظي أربعة أشهر إضافية، إلى جانب المسؤول السابق بوزارة المالية المعني بالقضية.
وفي أواخر جويلية 2026، تقرر التمديد في إيقافها مرة ثانية لمدة أربعة أشهر أخرى، في حين أفرج عن رجل الأعمال أحمد عبد الكافي مقابل كفالة مالية قدرها 25 مليون دينار، بينما بقيت بثينة بن يغلان رهن السجن.
وأكدت اللجنة أنه، إلى تاريخ نشر مقاله، لا تتوفر معلومات علنية موثوقة تفيد بإحالتها على المحكمة أو تحديد موعد لجلسة محاكمتها.
الإيقاف التحفظي لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة
وأكدت اللجنة أن الإيقاف التحفظي في القانون التونسي إجراء استثنائي، لا يمكن تبريره إلا بأسباب دقيقة، من بينها منع الفرار أو الحيلولة دون عرقلة التحقيق أو الاستجابة لضرورات فعلية تقتضيها أعمال البحث، على أن يكون القرار معللا وخاضعا للرقابة القضائية.
واعتبرت أن مرور سنة كاملة على إيقاف بثينة بن يغلان يفرض إعادة النظر في مبررات استمرار احتجازها، خاصة أن التحقيق أتيح له الوقت الكافي لجمع الوثائق والاستماع إلى الأشخاص المعنيين وإجراء الاختبارات اللازمة.
وأضافت أن استمرار الغموض بشأن التهم الموجهة إليها شخصيا، بالتوازي مع عدم تحديد موعد لمحاكمتها، لا يمكن أن يتواصل إلى أجل غير معلوم.
وشددت اللجنةعلى أن استمرار سجن امرأة لها مقر إقامة معلوم ومسيرة جامعية ومسؤوليات عامة سابقة وروابط عائلية واضحة، يستوجب تبريرا استثنائيا، ولا يمكن أن يستند إلى الصدى الإعلامي للقضية أو إلى شبهات عامة أو إلى الرغبة في تقديم صورة للرأي العام بشأن مكافحة الفساد.
موقوفة لا تحظى بالاهتمام الكافي
وأشارت اللجنة إلى أن بثينة بن يغلان تعد من بين النساء الموقوفات اللواتي نادرا ما يرد ذكر أسمائهن في النقاش العام، مؤكدا أن مسيرتها السياسية وانتماءها السابق إلى حركة النهضة والجدل الذي يحيط بالعشرية الماضية، لا ينبغي أن تحرمها من الضمانات الأساسية التي يحق لكل شخص التمتع بها.
وأوضحت أن المطالبة بالإفراج عنها لا تعني إنكار ضرورة مكافحة الفساد، بل تهدف إلى رفض تحول الإيقاف التحفظي إلى إدانة مسبقة، أو أن يحل التحقيق محل المحاكمة.
وفي ختام مقالها طالب المركز بالإفراج الفوري عن بثينة بن يغلان، مع إمكانية إخضاعها للرقابة القضائية إذا رأت الجهات القضائية أن ذلك ضروري لتوفير الضمانات اللازمة.
كما دعت إلى عرض أي تهم دقيقة وثابتة، إن وجدت، على القضاء للنظر فيها في إطار محاكمة عادلة، مؤكدا أنه في حال غياب أدلة كافية أو عدم ثبوت التهم، يتعين الإفراج عنها دون تأخير.
وختمت اللجنة بالتشديد على أن مرور سنة كاملة على إيقاف بثينة بن يغلان دون محاكمة يجعل المطالبة بحريتها استحقاقا من استحقاقات العدالة، معتبرا أن ضمان حقوق الموقوفين واحترام قرينة البراءة يظلان من المبادئ الأساسية التي ينبغي الالتزام بها، حتى في القضايا المتعلقة بشبهات الفساد.




