رأي

محمد بن جماعة: خمس سنوات من معارضة الشعبوية في تونس وحصيلة تستوجب المراجعة

لماذا لم ينفع ما قلناه؟

بقلم محمد بن جماعة: كاتب تونسي مقيم بكندا

انقضت خمس سنوات على 25 جويلية 2021، ولم تنقطع المعارضة خلالها عن الكلام. فقد أصدرت البيانات ونظمت الندوات والوقفات، ووثّقت الخروقات واحدا واحدا، وأثبتت بنصوص وحجج أن ما جرى كان انقلابا على الدستور، وأن جمع السلطات في يد واحدة ينقض أسس الجمهورية، وأن المرسوم 54 والمحاكمات السياسية ضيّقت الفضاء العام، وأن الحكم الفردي لم يحلّ أزمة واحدة من الأزمات التي وعد بحلها. ودفع كثيرون ثمن هذا الكلام سجنا ومنفى وملاحقة.
ولم يترجم هذا الجهد إلى تغيير حاسم في ميزان القوى.

فالسلطة باقية في موضعها، والمعارضة لم تستطع أن توسّع الاحتجاج إلى تعبئة شعبية تغيّر المعادلة، فيما عجزت السلطة بدورها عن استقطاب أغلبية الناخبين إلى الاستحقاقات التي أقامت عليها نظامها الجديد. وحتى إذا أخذنا بالأرقام الرسمية، رغم ما أثاره بعضها من تشكيك وطعون من المعارضة، فإنها تكشف حجم الانحسار في المشاركة. فقد نزلت من 67.7% في تشريعيات 2014 إلى 41.7% في تشريعيات 2019، ثم بلغت 11.22% في الدور الأول من تشريعيات ديسمبر 2022 و11.4% في دورها الثاني. ولم تستقطب انتخابات المجالس المحلية سوى 11.84% في ديسمبر 2023 و12.53% في دورها الثاني في فيفري 2024. وحتى الاستفتاء على الدستور الجديد ورئاسيات 2024، وهما أوثق اتصالا بمشروع الرئيس وشرعيته، لم تتجاوز المشاركة فيهما 30.5% و28.8% على التوالي. أما الممتنعون فلم يكونوا على موقف واحد؛ فمنهم المقاطع، ومنهم غير المكترث، ومنهم من لم يعد يرى لصوته أثرا.

ولا يُفسَّر هذا المأزق بالقمع وحده، وإن كان القمع حقيقيا وثقيلا، يرفع كلفة الاعتراض ويضيّق إمكان التنظيم والعمل. فالإقرار بأثره لا يعفينا من السؤال عن صلة المعارضة بمجتمعها، وعن قدرتها على فهم دوافع الناس ومخاوفهم وما ينتظرونه من السياسة. والتراجع في المشاركة، كما رأينا، بدأ قبل 25 جويلية، بما يدعونا إلى البحث أيضا في أسباب أقدم للابتعاد عن الحياة السياسية. ومن هنا تستوجب طريقة فهمنا للظاهرة المراجعة: فقد حكمت خطاب المعارضة قراءات عدة، في كل منها قدر من الصحة، لكن الاقتصار عليها ترك أسئلة أساسية بلا جواب، وأضعف القدرة على تحويل الاعتراض إلى فعل مؤثر.

القراءة القانونية
تتناول هذه القراءة ما جرى من جهة مخالفته للدستور وتقويضه للضمانات التي تضبط ممارسة السلطة. وقد قدّمت حججا أساسية في بيان الخروج عن مقتضيات الفصل 80، وتعليق العمل بجزء واسع من دستور 2014 بموجب الأمر 117، ثم إقرار دستور جديد في مسار انتهى إلى اعتراض رئيس اللجنة المكلّفة بإعداد مشروعه على النص المنشور. ولا غنى عن هذا العمل للدفاع عن الحقوق، وللتوثيق والمحاسبة.
لكن الاكتفاء بهذه القراءة يفترض أن الناس يدافعون عن الدستور لأنه دستور، بينما إثبات الخرق لا يكفي وحده لإقناعهم بالدفاع عمّا خُرق. فالمواطن الذي لم يلمس أثرا للضمانات الدستورية في معاشه ولا في معاملة الإدارة له قد لا يرى في الاعتداء عليها خسارة مباشرة تخصه. وقد نصّ دستور 2014 على حقوق في الصحة والتعليم والعمل، وعلى التمييز الإيجابي للجهات، لكن هذه الحقوق بقيت، في تجربة قطاعات من التونسيين، أقرب إلى الوعود المكتوبة منها إلى الواقع المعيش. أما التنازع على الصلاحيات والتحالفات وتقاسم المواقع فكان حاضرا أمامهم كل يوم، حتى بدا لهم أن ما يعمل من الدستور هو ما ينظّم اقتسام السلطة، وأن الدفاع عنه دفاع عن حق السياسيين في مواصلة تنازعهم. وغطّت هذه الصورة على ما أتاحه من حقوق وحريات.

وهكذا بقي خطاب الدفاع عن الدستور يقنع المقتنعين، ويخاطب القضاة والمنظمات الدولية أكثر مما يصل إلى التونسيين الذين خاب أملهم في التجربة السابقة. وحين لا يقترن هذا الخطاب بمراجعة صريحة لإخفاقاتها، يبدو وعده بإعادة الشرعية وعدا بإعادتهم إلى الوضع الذي أرادوا الخروج منه.

القراءة الشخصية
تختزل القراءة الثانية الظاهرة في الرجل: لغته، وما يبدو من عزلته وارتيابه من الجميع، وطريقته في مخاطبة المسؤولين أمام الكاميرا. وقد غذّت هذه القراءة سخرية واسعة على مواقع التواصل، وأراحت أصحابها بما توحي به من أن المشكلة عارض شخصي يزول بزوال صاحبه.
لكنها تترك أسئلة أساسية بلا جواب. لماذا اختار قرابة ثلاثة أرباع المقترعين هذا الرجل بعينه في الدور الثاني من رئاسيات 2019، في انتخابات تعددية أقرّ منافسه بنتيجتها، وقبل أن يملك سلطة الرئاسة؟ وما الذي رأوه فيه ولم يروه في غيره؟
ثم إن السخرية التي يتبادلها المعارضون بوصفها دليلا على ضعف الرئيس قد يستقبلها مؤيدوه على نحو مختلف، فيرون في الاستهزاء بلغته وهيئته تأكيدا لاحتقار النخب من لا يشبهها، ويزدادون تمسكا به.
ولا يعني ذلك أن شخصية الحاكم لا أثر لها، بل أنّ وصف طباعه لا يغني عن فهم تصوره للسياسة والدولة. فللرجل أفكار أعلنها قبل وصوله إلى الحكم بسنوات، وسعى بعده إلى تحويلها إلى مؤسسات وقواعد للحكم طبّقها خطوة خطوة. ومن ينشغل بغرابة عباراته قد يفوته ما تقوله عن هذا التصور، ومن لا يأخذه بجدية يصعب عليه أن يفهم قرارات صاحبه أو يستعد لما قد يأتي بعدها.

القراءة الاستعلائية
وأما القراءة الثالثة فقلّما تُكتب بهذه الصراحة وكثيرا ما تُقال. ومفادها أن الشعب ساذج يسهل خداعه، أو أنه لم ينضج للديمقراطية، أو أنه يفضّل المستبد العادل على الحرية. وقد لجأ إليها بعض النخب حين انتظروا خروج الناس دفاعا عن المؤسسات فلم يخرجوا، فتحوّل الإحباط من موقفهم إلى حكم على أهليتهم.
وهي قراءة فقيرة في تفسيرها، مؤذية في أثرها. فهي تضع ملايين المختلفين في دوافعهم ومواقفهم تحت وصف واحد، ولا تميّز بين من أيّد ومن انسحب ومن خاف، ولا تسأل عمّا جعل بعض الناس يصدّقون وعدا سياسيا جديدا بعدما فقدوا الثقة في الوعود السابقة. وتعفي أصحابها من مراجعة نصيبهم في ما آل إليه الأمر؛ فإذا كانت المشكلة في شعب لا يفهم، لم يعد عليهم أن يسألوا لماذا عجزوا عن إقناعه، أو ماذا قدّموا له حين كانوا في مواقع المسؤولية. وتؤكد فوق ذلك الصورة التي يرسمها الخطاب الشعبوي للنخب: فئة تحتقر الشعب وتراه قاصرا، فتقدّم له في كل مرة الشاهد الذي يحتاجه.

رهان الانهيار الاقتصادي وتنتظر قراءة رابعة سقوط النظام من تلقاء نفسه تحت وطأة الأزمة الاقتصادية. فالخزينة في تقدير أصحابها توشك أن تفرغ، والمواد الأساسية تنقطع، والتمويل الخارجي يتعثر. وقد عزّز هذا الرهان تعثّر الاتفاق المبدئي الذي توصّل إليه خبراء صندوق النقد الدولي مع الحكومة في أكتوبر 2022 لتمويل بقيمة 1.9 مليار دولار، ثم رفض الرئيس في أفريل 2023 ما سمّاه إملاءات الصندوق. وخلص أصحاب هذه القراءة إلى أن الضيق المعيشي سيفعل ما لم تفعله البيانات.

لكن التعثّر الاقتصادي لم يؤدّ إلى السقوط المنتظر. فالتأييد السياسي لا يتحدد بالأوضاع المعيشية وحدها، بل يتأثر أيضا بمن يحمّله الناس مسؤوليتها، وبالبدائل التي يرونها متاحة. وحين ينسب خطاب الرئيس الندرة إلى المحتكرين والمتآمرين، فقد يجد فيه بعض مؤيديه تفسيرا يعفيه من المسؤولية، بل يرون في الأزمة دليلا على شراسة من يواجههم. ثم إن الضيق لا يتحول من تلقاء نفسه إلى احتجاج منظّم؛ فقد يستنزف قدرة الناس على المشاركة، ويدفعهم إلى تدبير شؤونهم فرادى أو إلى الهجرة.

ومأزق هذا الرهان أنه يعوّض العمل السياسي بانتظار ما ستفعله الأزمة، ويعلّق أمل التغيير على اشتداد معاناة الناس الذين تريد المعارضة كسب ثقتهم. وحتى حين يولّد الضيق غضبا على السلطة، فلا شيء يضمن أن يتحول هذا الغضب إلى تأييد لمعارضيها.

رهان الخارج
وتبحث قراءة خامسة عن التفسير والحل خارج البلاد، ولها وجهان. فهي تفسّر بقاء السلطة بالدعم الذي تتلقّاه من قوى إقليمية ودولية، وتراهن في المقابل على أن الضغط الخارجي سيحملها على العودة إلى المسار الديمقراطي. وللعلاقات الخارجية أثر لا يصح إغفاله، لكن تحويلها إلى مفتاح يفسّر كل شيء يحجب ما تستند إليه السلطة في الداخل، ويجعل تغيير مواقف العواصم الأجنبية بديلا عن تغيير ميزان القوى في البلاد.
وقد كشفت مذكرة التفاهم التي وقّعها الاتحاد الأوروبي مع تونس في جويلية 2023 حدود هذا الرهان. فالشراكة التي شملت الاقتصاد والطاقة والهجرة مضت قدما رغم التراجع الديمقراطي، وأظهرت استعداد الشركاء الأوروبيين للتعامل مع السلطة القائمة تحقيقا لمصالحهم. ومن ينتظر أن تتقدّم الديمقراطية التونسية تلقائيا على حساباتهم في الهجرة والأمن والاستقرار يعلّق أمله على أولويات لا يملك ترتيبها.

ولا يعني ذلك التخلي عن التضامن الدولي أو عن مخاطبة المؤسسات الحقوقية والبرلمانات الأجنبية بشأن الانتهاكات. إنما يبدأ الخلل حين يُنتظر من هذا العمل أن يحقّق ما لم يُبنَ له سند في الداخل. وحين يطغى حضور المعارضة في الخارج على صلتها بمجتمعها، يسهل على السلطة أن تصوّر خصومتها معها باعتبارها مواجهة بين السيادة الوطنية والتدخل الأجنبي. وقد يكون هذا التصوير مضلّلا، لكن الردّ عليه يحتاج إلى حضور بين الناس يجعل استقلال قرار المعارضة ومشروعية مطالبها أمرا ملموسا.

قراءتان نعود إليهما
وتبقى قراءتان واسعتا الانتشار نكتفي هنا بالإشارة إليهما، ونعود إلى مناقشتهما بالتفصيل في مقالات لاحقة.
الأولى قراءة الثورة المضادة، وهي تضع 25 جويلية ضمن مسار إقليمي لإجهاض الثورات العربية وإقصاء الإسلاميين من الحياة السياسية. وهذه زاوية تستحق البحث، لكن اتخاذها تفسيرا مكتفيا بذاته يعفي من حكموا العشرية، في نظر خصومهم، من مراجعة مسؤوليتهم، ويختزل التونسيين الذين رحّبوا بما جرى في أدوات لمشاريع غيرهم، دون أن يسأل عمّا دفعهم هم إلى الترحيب به.

والثانية قراءة الواجهة، وهي ترى أن الرئيس ستار وأن الحكم الفعلي للأجهزة. وتنبّه هذه القراءة إلى ضرورة البحث في القوى التي تسند الحكم وتشارك في قراراته وتستفيد منه. لكنها حين تختزل الرئيس في واجهة تفترض مسبقا ما ينبغي أن تبحثه: مقدار ما يملكه من المبادرة، وعلاقته بهذه القوى، وما يجمع بينها من مصالح وما قد يفرّقها. كما أنها تلتقي مع القراءة الشخصية في إهمال تصوره السياسي، وإن اختلف الطريق إلى ذلك.

ما يجمع هذه القراءات
لا تخطئ هذه القراءات في كل ما تقوله، وإنما يظهر قصورها حين تتحول الواحدة منها إلى تفسير يغني عن سواه. فمعرفة الخرق الدستوري لا تفسّر قبول قطاعات من الناس به، ووصف شخصية الرئيس لا يفسّر وحده مشروعه أو أسباب جاذبيته، ورصد دور الأجهزة أو الخارج لا يعفينا من فهم ما يجري داخل المجتمع. وحين تجمع المعارضة هذه التفسيرات دون أن تراجع موقعها هي في المشهد، يبقى السؤال الأصعب معلّقا: لماذا لم ير فيها كثير من التونسيين بديلا يثقون به؟
وقد يقود هذا القصور إلى انتظار التغيير أكثر مما يقود إلى العمل على شروطه. فيُنتظر غياب الرجل، أو اشتداد الأزمة، أو تبدّل المواقف الخارجية، أو أن يكتشف الناس من تلقاء أنفسهم خطأ اختيارهم. ويتراجع السؤال عمّا تستطيع المعارضة أن تفعله الآن لتوسيع قدرتها على التأثير.
وفي تقديري، كان الخطأ العملي الأعمق هو العجز عن الفصل بين الطلب الاجتماعي الذي استثمرته الشعبوية والإجابة التي قدّمتها عنه. فقد كان لدى قطاعات من التونسيين طلب مشروع للكرامة، ولمحاسبة من حكموا، ولأن يكون لصوت المواطن أثر، بعدما ارتبط التوافق في تجربتهم بتأجيل الإصلاحات وتسوية الخلافات بين القوى الحاكمة أكثر مما ارتبط بمعالجة مشكلاتهم. واستمدّ الخطاب الشعبوي جانبا من قوته من مخاطبة هذا الطلب، ثم قدّم تركيز السلطة في يد الرئيس طريقا لتحقيق سيادة الشعب.

وكان على المعارضة أن تقرّ بمشروعية هذا الطلب، وأن تبيّن كيف يخذله المسار الذي يدّعي الاستجابة له. لكن الدفاع عن المؤسسات اختلط في جانب من خطابها بالدفاع عن حصيلة الحكم السابق، أو بتجنّب مراجعتها. فصار من السهل أن يُفهم اعتراضها على ما جرى باعتباره رغبة في استعادة وضع كان كثيرون يريدون تغييره. وهنا اتسعت المسافة بينها وبين جمهور كان يمكن أن يلتقي معها على المطالب، حتى حين يختلف معها في تقييم 25 جويلية.

من أين نبدأ
لا تكفي الإدانة لبناء مقاومة قادرة على التأثير. نحتاج إلى معرفة أدق بمن نواجه وبمن نخاطب، وإلى استعداد لمراجعة ما اعتدنا قوله عنهم وعن أنفسنا. وتحاول هذه السلسلة أن تفهم أطراف المشهد من داخل منطقها: كيف يرى الرئيس مشروعه، وما الذي يربطه بمن يحكمون معه، وكيف تفهم القوى التي انقلب عليها مسؤوليتها، وما الذي يحرّك التونسيين في اختلاف مواقفهم. ومن هذا الفهم تبحث عمّا يمكن فعله. فالموقف الصحيح من الانقلاب لا يكفي إذا أخطأ أصحابه قراءة الواقع الذي يريدون تغييره.

هذا المقال سيلحقه مقالات اخرى في نفس السلسلة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى