الأخبارجهوية

الهيئة الإدارية الجهوية للشغل بسليانة تحذّر من «انفجار اجتماعي» وتدعو إلى عفو عام وحوار شامل

يتزامن مع استمرار السلطة في «التفرد بالقرار واحتكار كل مجالات الحكم»، بما في ذلك الملفات الاقتصادية والاجتماعية

نشرت الهيئة الإدارية الجهوية للاتحاد الجهوي للشغل بسليانة بيانًا عامًا أكدت من خلاله رفضها لما وصفته بـ«التفرد بالقرار» وانغلاق السلطة أمام مختلف الأطراف، محذّرة من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد، ومن مخاطر ما اعتبرته انسدادًا متزايدًا للأفق قد يقود إلى «انفجار اجتماعي مجهول العواقب».

وانعقدت الهيئة الإدارية الجهوية يوم 29 أوت 2026 بدار الاتحاد الجهوي للشغل بسليانة، حيث تناولت في بيانها الوضع العام في البلاد، معتبرة أن تونس تعيش «ظرفًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا غير مسبوق» يتسم بتفاقم الأزمة على مختلف المستويات.

انتقادات للأوضاع المعيشية
وقالت الهيئة إن المواطنين أصبحوا يعيشون على وقع الانقطاعات المتكررة لما وصفته بكل ما هو «حياتي»، حتى باتوا، وفق تعبيرها، «يلهثون وراء الحصول على الماء والخبز والدواء والكهرباء وغيرها من أساسيات العيش البسيط».

واعتبرت أن ذلك يتزامن مع استمرار السلطة في «التفرد بالقرار واحتكار كل مجالات الحكم»، بما في ذلك الملفات الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن انشغالها، بحسب البيان، بما وصفته بـ«أوهام التآمر وتهم الخيانة والولاء للخارج»، في حين أن عناصر الفشل ودلائل العجز، وفق تقدير الهيئة، أصبحت بادية للجميع.

انتقاد الانغلاق السياسي وغياب الحوار
وحمّلت الهيئة جانبًا من أسباب الأزمة لما وصفته بـ«انغلاق المنظومة الحاكمة ورفضها التعاطي مع أي طرف كان»، معتبرة أن باب التواصل والحوار أُغلق، وأن مختلف الفاعلين في هياكل الدولة، من برلمان وقضاء ومجالس وحكومة ووزراء ومديرين وولاة، أصبح دورهم يقتصر، وفق البيان، على مجاراة الوضع اليومي دون مبادرة أو قدرة كافية على الفعل.

كما انتقدت الهيئة ما اعتبرته تراجعًا في الكفاءة والقدرة على الإضافة لدى عدد من المسؤولين، مرجعة ذلك إلى تعيينات قالت إنها قامت على «الولاء والطاعة العمياء»، بحسب تعبيرها، مضيفة أن ذلك، وفق البيان، «بشهادة أنصار المسار أنفسهم».

انتقادات للسياسة الحقوقية والمرسوم 54
وفي الجانب السياسي والحقوقي، وصفت الهيئة ما يجري بأنه «سياسة تسلطية قهرية معادية للحريات»، معتبرة أنها تستهدف العمل النقابي والحقوقي والمدني، من خلال ما وصفته بحملات التشويه والهرسلة والتخوين ضد المنظمات والجمعيات ومختلف القوى الاجتماعية.

كما انتقدت الهيئة استمرار العمل بالمرسوم عدد 54، معتبرة أنه «لا ينطبق إلا على ناقدي السلطة ورموزها»، وفق صياغة البيان، في حين قالت إن بعض المهتمين بالشأن العام يتعرضون للثلب والشتم والتخوين والتهديد دون مساءلة.
وأشارت الهيئة إلى ما وصفته بوجود تهديدات بالقتل في فيديوهات منشورة، معتبرة أن ذلك يتم «دون أدنى تدخل من النيابة العمومية»، لتطرح في بيانها تساؤلات حول العدالة والمواطنة.

النقابيون والصحفيون والمدافعون عن فلسطين
وتساءلت الهيئة: «فأي عدالة هذه؟ وأي مواطنة نعيش؟»، منتقدة أوضاع النقابيين والحقوقيين والصحفيين والمدافعين عن فلسطين، وخاصة قادة «أسطول الصمود»، معتبرة أن مصير عدد منهم أصبح السجن والإيقاف والمحاكمات التي وصفتها بـ«الصورية».

وقالت إن هذه الأوضاع أدت، وفق تقديرها، إلى «تكميم الأفواه وبث الرعب في صفوف أبناء الشعب وشبابه»، معتبرة أن الصمت أصبح بالنسبة للبعض ملاذًا، فيما اختار آخرون مغادرة البلاد عبر الهجرة، بما فيها الهجرة غير النظامية وقوارب الموت.

وتطرقت الهيئة إلى فاجعة بن قردان، معربة عن ترحمها على ضحاياها، كما انتقدت ما وصفته بمحاصرة المهاجرين الفارين من «جحيم إفريقيا إلى شمال المتوسط» والتنكيل بهم بعيدًا عن الإجراءات الإنسانية والقانونية، معتبرة أن ذلك يتم في إطار تنفيذ اتفاقيات قالت إنها «سرية» مع إيطاليا والاتحاد الأوروبي.

تحذير من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية
وفي الجانب الاقتصادي، تحدثت الهيئة عن «تزايد مهول للتداين» وارتفاع التضخم وتنامي البطالة والفقر، إلى جانب تكرر إفلاس آلاف المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتراجع الاستثمار الداخلي والخارجي وتنامي الاقتصاد الموازي.

كما انتقدت ما وصفته بـ«انحدار مردودية المؤسسات العمومية» في القطاعات الصناعية والتجارية والفلاحية، معتبرة أن ذلك أفقدها دورها في الإنتاج وتعديل السوق.

وانتقدت الهيئة في هذا السياق ما تعتبره السلطة «تركيزًا لدعائم الدولة الاجتماعية»، معتبرة أن المال العام يُهدر على ما يسمى بالشركات الأهلية، التي وصفتها بأنها «الصورة المشوهة للاقتصاد الاجتماعي التضامني» وتجربة «فاشلة منذ النشأة».

تدهور الخدمات العمومية وهجرة الكفاءات
وتطرقت الهيئة كذلك إلى وضعية المرافق العمومية الحساسة، وخاصة التعليم والصحة والنقل وسائر الخدمات، معتبرة أنها وصلت إلى «أدنى مستوى»، وأصبحت عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية نتيجة النقص الكبير في الإطارات والأعوان.
وقالت إن عددًا من الكفاءات غادروا البلاد بحثًا عن عمل لائق وأجر يضمن الحد الأدنى من المستقبل لعائلاتهم، متسائلة: «فأين أطباؤنا وممرضونا ومهندسونا وأساتذتنا وجامعيونا؟».

واعتبرت أن العواصم الأجنبية استقطبت هذه الكفاءات هربًا من الخصاصة وفقدان وسائل العمل الضرورية، فضلًا عن مشاكل السلامة والأمن.

كما أشارت إلى أن أصحاب الشهائد العليا، رغم احتجاجاتهم المتكررة، ما زالوا ينتظرون «الوعود تلو الوعود»، وهو ما اعتبرته الهيئة كاشفًا عن زيف تلك الوعود.

تحذير من الانفجار الاجتماعي
وأمام هذا الوضع، حذرت الهيئة الإدارية الجهوية من مخاطر «الانفجار الاجتماعي المجهول العواقب والفوضى والفراغ والتدخل الأجنبي»، معتبرة أن الأفق أصبح مسدودًا على مختلف الأصعدة.

ودعت في هذا السياق إلى جملة من الإجراءات، في مقدمتها التخلي الفوري عن نهج التفرد في إدارة شؤون البلاد، سواء على مستوى القرار أو الاستشراف، والانفتاح على الآخر والكف عن تخوين الخصوم والزج بكل صوت مختلف في السجن.

كما طالبت بوقف ما وصفته بـ«تصحير الساحة السياسية» وتهميش دور المنظمات ومكونات المجتمع المدني وتقييد الإعلام، وإطلاق مبادرة تحقق الإصلاحات الضرورية وتضمن الانفراج وتنزع فتيل الاحتقان.

دعوة إلى عفو عام وإصلاح القضاء
وطالبت الهيئة بـإصدار عفو عام عن جميع المساجين على خلفية آرائهم وتدويناتهم وأنشطتهم النقابية والحقوقية والمدنية وتوجهاتهم السياسية، مع استثناء من تورطوا في جرائم مثبتة في حق الوطن والشعب، وفق نص البيان.

كما دعت إلى «التوقف عن توظيف القضاء» والشروع في إصلاحه بما يضمن قضاءً مستقلًا وعادلًا وناجزًا.

وطالبت أيضًا ببعث آلية حوار عام وشامل لتشخيص الأزمة بأبعادها المختلفة، والبحث عن حلول كفيلة بإعادة مقومات الحياة الكريمة للتونسيين، وفسح المجال أمام الكفاءات الوطنية للمبادرة والعمل.

وأكدت في هذا السياق ضرورة عدم تكبيل الكفاءات بتعلات مكافحة الفساد، رغم أهمية هذا الملف، داعية إلى تركه للقضاء والهياكل الرقابية الرسمية وأجهزة الدولة المختصة.

الدفاع عن المفاوضة الجماعية والحق النقابي
وفي الملف النقابي، طالبت الهيئة بالتراجع عن القرارات التي وصفتها بـ«الجائرة وغير القانونية» والمتعلقة بإلغاء المفاوضة الجماعية وضرب الحق النقابي ومحاصرته وخنقه.

كما نددت بما اعتبرته استهدافًا لمناضلي الاتحاد العام التونسي للشغل بالعقاب والتشويه، مطالبة بتنفيذ جميع الاتفاقيات المبرمة والإيفاء بالالتزامات تجاه الأجراء عمومًا.

دعوة النقابيين والقوى التقدمية إلى التحرك
وفي ختام بيانها، أهابت الهيئة الإدارية الجهوية بجميع القوى التقدمية، وخاصة النقابيين والنشطاء الاجتماعيين، «الالتفاف حول منظماتهم وهياكلهم»، وعدم الاصطفاف وراء من اعتبرتهم «أجرموا في حق الشعب والوطن».

كما دعت إلى التخلي عن الحياد واللامبالاة، والالتزام بالمبادئ الوطنية والديمقراطية التي قالت إن «دماء الشهداء الغالية سالت من أجلها»، والانخراط في النضال من أجل «تصحيح المسار الثوري والعودة إلى أهدافه الحقيقية».

وذكّرت الهيئة بالشعارات التي رفعتها الملايين، وفي مقدمتها: «شغل، حرية، كرامة وطنية» و**«عدالة اجتماعية»**، إلى جانب الدعوة إلى قضاء مستقل وترسيخ الحقوق المواطنية الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التعبير الحر والتنظم والتظاهر والاحتجاج السلمي.

كما أعلنت رفضها لما وصفته بـ«نزعة الفردانية والتسلط وإلغاء الآخر وتحويل المواطنين إلى رعايا خاضعين خانعين لسلطة الفرد».

وأكدت الهيئة مجددًا الدور الوطني والاجتماعي للاتحاد العام التونسي للشغل والصبغة النضالية للمنظمة، معلنة استعدادها للانخراط في «كل أشكال النضال السلمية والمشروعة» التي تقررها الهياكل النقابية، بما فيها الإضراب العام.

وختم البيان بعبارات تؤكد التمسك بالحق في وطن حر وعيش كريم، وبالاتحاد العام التونسي للشغل كمنظمة مستقلة وديمقراطية ومناضلة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى