سعيد وثوب “الرئيس المعارض”: قطع الخيط الناظم بين الفشل والفاشل، لم يعد يُجدِي
إنّ حرص قيس سعيد على التمسك بثوب "الرئيس المعارض" مع أنها بدعة غير منطقية أصلا، لم يكن مصادفة، بل كان حركة اتصالية مدروسة في رأيي، هدفها جني مكاسب السلطة مع عدم خُسران شرف المعارضة.

سليم بوخذير-صحفي تونسي
من ضمن أبرز خصائص السلوك الاتصالي لقيس سعيد حتى قبل إقدامه على إنقلاب 25 جويلية وإلى اليوم ، ظهوره في أغلب الأحيان بخطاب “المعارض” مع أنه الرئيس المتربع على عرش السلطة والمُعتلي لربوة الحكم الفردي المطلق برا وبحرا وجوا منذ 7 سنين عجاف
فأنتٓ حين تكون أجنبيا من بلد بعيد مثلا ولا تعرف أي شيء عن تونس، ويصادفك أن تستمع في التلفزيون لخطابٍ أو تدخّلٍ لقيس سعيد، لن تعتقد للحظة أنه هو رئيس الدولة التي يتحدث عن مشاكلها وعن معاناة شعبها، ولن يذهب في ظنك ولو لبرهة وأنت تستمع إليه أنه هو الرئيس المطلق السلطات لهذه الدولة، بل ستقول حتما وبالتأكيد إنه هو زعيم المعارضة في البلد.
لقد بدأ تمسك قيس سعيد بهذه الخطة الاتصالية قبل إنقلاب 25 جويلية وخاصة بعد تعيين هشام المشيشي وحكومته، فظهر سعيد مرارا وتكرارا في ثوب “المعارض” “الشرس” للسلطة القائمة مع أنه هو رئيسها ومع أنّه هو بنفسه من عيّن رئيس الحكومة واختاره من طاقم قصره ومع أنٌ الحزام الحزبي للأغلبية البرلمانية وقتها كان هو نفسه الحزام الحزبي الذي تحالف معه سعيد بعمق في انتخابات 2019 وبفضله فاز بكرسي الحكم برقم مليونين و700 ألف صوت تقريبا.
إنّ حرص قيس سعيد على التمسك بثوب “الرئيس المعارض” مع أنها بدعة غير منطقية أصلا، لم يكن مصادفة، بل كان حركة اتصالية مدروسة في رأيي، هدفها جني مكاسب السلطة مع عدم خُسران شرف المعارضة.
فقد كان غرضه الواضح منذ فترة ما قبل انقلاب 25 جويلية، الإستفادة من حالة الاستقطاب الثنائي التي كانت قائمة بين دولة ومجتمع (مجتمع ضد الدولة) وازدهرت ملامحها وقتها.
فاختار سعيد بتمسكه بخطاب “الرئيس المعارض”، محاولة الفوز منه بمقعد يضعه له الجمهور ضمن مخياله الجمعي، في صف المجتمع فيما يكون باقي أطراف الحكم (المشيشي وحكومته ومعهما البرلمان) ضمن المخيال الجمعي ، هُم من في صف الدولة.
وقد سهّلت هذه المخاتلة الاتصالية الذكية جدا في تقدمه نحو ساعة الصفر لانقلابه في 25 جويلية وفي تعبيد طريقه للاستيلاء على كل السلطات بجرة قلم وبتأييد جماهيري كافٍ.
ومن فوائد تمسك قيس سعيد بِرِداء دور “المعارض” من الناحية الاتصالية إلى يومنا هذا، مع أنه هو الرئيس المنفرد بكل السلطات، واظهاره لِنفسه في صورة “ممثل المجتمع” في مواجهة ممثلي الدولة بدل ظهوره (كما يقول المنطق) بثوبه الحقيقي وهو ثوب الرئيس.. من فوائد ذلك (بالمعايير الاتصالية الحديثة) بالنسبة له هو قطع حبل مسؤوليته على انحرافات الدولة وفشلها ومحاولةالتملص منها.
فالتمسك بدور “المعارض” وبخطاب “المعارض” مع توجيه الاتهامات جزافا وليلا نهارا، إلى مسؤولين وهميين عن انحرافات الدولة التي هو رئيسها وعن المشاكل(لوبيات- متٱمرون- خونة ..إلخ)، إنما هي خطة اتصالية واعية غرضها درء اللوم عن نفسه من أنه المتسبّب الأصلي في هذه الانحرافات ، فهي محاولة واضحة منه لِقطع الخيط الناظم بين هذه الانحرافات والفشل والاخفاقات في إدارة الشأن العام وبين المسؤول الحقيقي الأول عنها ونعني هو نفسه الرئيس مطلق السلطات حاكم البر والبحر والجو دون حسيب أو رقيب.
إنها خطة إتصالية محسوبة وليست مصادفة برأيي، استفاد منها قيس سعيد كثيرا قبل انقلاب 25 جويلية وأثناءه وبعده ووضعته في وضع مريح جدا لفترة ليست بالهيّنة في علاقته بالجمهور..
وطبعا هنا نحن لا نتحدث عن كل الجمهور، فبِمعايير الاتصال هناك أكثر من جمهور .. لكن هناك غالبية من الجمهور العام يتوجه لها أساسا الخطاب الشعبوي عادةً ويلقى إلى حين، فائق التأثير عليها وينجح لفترة في توجيهها من خلال البروغندا المُراوِغٓة وفي اللعب في لوحة اعدادات وعيها عبر المُخاتِلة الذكية السريعة النسق.
هذه الغالبية هي التي أراد قيس سعيد استهدافها طوال سنوات بأسلوبه الاتصالي التضليلي والمراوِغ هذا.
وقد أضاف قيس سعيد لخطته الإتصالية الشعبوية هذه نواحٍ أخرى اشتغل عليها قبل إنقلاب 25 جويلية وبعده، وكنت قد شرحتها بالتفصيل لقرائي، في كتابي الصادر في جانفي الماضي تحت عنوان “بين المجتمع وقيس سعيد: هل هي مقدمات موسم الغضب؟”.
ومن بين هذه النواحي الأخرى والمناهج الإتصالية المُخاتِلة التي اشتغل عليها لمحاولة صنع صورة “المُخلّص النظيف” و”المنقذ الطاهر” من “دولة الفساد والسواد” ومن “العشرية السوداء”، استعارته في عديد المناسبات لقاموس الحرب (الوهمية) وصنع الأعداء الوهميين ومحاولة تقسيم معسكر الاستقطاب بين وطنيين وخونة وبين صادقين وفاسدين.. إلخ، فضلا عن حمُامات الحشد les bains de) foule)
التي كان يخرج ويلجأ إليها كلُما اشتدت أزمة من أزمات تونس المتلاحقة في عهده، والهدف من هذه الحمّامات كان طبعا محاولة غسيل فشله ومسؤوليته عن تلك الأزمات المتكاثرة وقصوره الفادح عن حلها.
كل هذه الخطة الاتصالية المخاتلة سرعان ما تضاءلت فعاليتها بالتدريج ونفِد وقُودها يوما بعد يوم بفعل مرور الزمن الذي جعل الجموع التي كانت محتشدة بوفرة في السنوات الثلاث الأولى بعد إنقلاب 25 جويلية حول خطاب المستبد الشعبوي الفاشل لاسيما بمجاميع شبكة التواصل الاجتماعي، تنفضّ شيئا فشيئا من حوله بعد أن صٓحوا من حلم الغد السعيد على كابوس الفشل والعبث والأزمات المتلاحقة التي شملت كل شيء في تونس على يد نظام قيس سعيد.
فتهاوت كل السرديات الكاذبة التي نفخ سعيد في صُورِها واصطدم قطار وعوده الزائفة بجدران الواقع المر.. هذا الواقع الذي أكل حماره الحرية والخبز والماء والكهرباء والدواء بعد أن أكل الدستور.
ومع التقدم أكثر في الزمن صارت الجموع المساندة سابقا لا تكتفي بخطوة الانفضاض من حول خطاب المستبد الشعبوي، بل صارت تذهب الٱن إلى رفع صوت الانتقاد له عاليا، وإنّ شبكة التواصل الاجتماعي تعجّ اليوم بالمواطنين الغاضبين من هول الدرك الأسفل والمنحدر السحيق من التأزم الشامل الذي هٓوٓت إليه تونس في عهد هذا المستبد.
فيما أنُ المؤشر الأكبر على تنامي منسوب الغضب الشعبي هو تلاحق المظاهرات الاحتجاجية مؤخرا في عديد ربوع الوطن الجريح يوما بعد يوم رفضًا لسياسات الفشل المقيت لنظام هذا المستبد الذي حرم التونسيات والتونسيين من أبسط الحقوق، وٱخرها الماء والكهرباء والحال أننا في قيظ الصيف.
علاوة على الجرح الكبير الٱخر.. جرح ضحايا البحر من فلذات أكبادنا هذا الجرح النازف المتكرر لتونس الذي لم يبذل صاحب الوعود الزائفة أيّ جهد لتضميده أو حتى ذهب لمحاولة تخفيف وجع أهاليه بمواساة ذوي من أخذهم البحر إلى الموت من أهالينا ببنقردان مؤخرا، وكأنّ هذا النظام لا تعنيه أحزان الوطن ولا يعبأ بجراحه الغائرة.
بل إنّ نظام المستبد الشعبوي توغّل في مزيد تعميق هذه الجراح بمحاولة الاجهاز مؤخرا على احتجاجات الأهالي المكلومين ببنقردان والأمهات الثكالى، عبر الغاز المُسِيل للدموع ليزيدهم دموعا على دموعهنُ ودموعهم.
ورغم كل هذا التهاوي الشامل لسرديات الشعبوي قيس سعيد ورغم تعطب ماكينة وعوده التي لا تتحقق وتعطب أيضا أسلوبه الاتصالي المخاتل بمحاولة تمسكه بالظهور المخادع بثوب “الرئيس المعارض” في محاولة لقطع الخيط الناظم كما ذكرنا بين الفشل وبين المسؤول عنه الذي هو قيس سعيد نفسه ونظامه.
يواصل هذا المنقلب الشعبوي أسلوب الظهور في ثوب “الرئيس المعارض” في خطاباته ضمن فيديوهات زيارته الأخيرة، وذلك للتفصي من المسؤولية عن كل هذا الخراب الذي ٱلت إليه الأوضاع في تونس ولمحاولة درء اللوم عن نفسه ، ولكن ذلك لم يعد ينطلي على الشعب المقهور الذي كشف الألاعبب ولم يعد يقع في شٓرٓكِ الخداع والتضليل من جديد.
والسؤال الذي قد يخامرك وأنت تراقب المشهد الٱن وتقرأ هذا المقال هو: لماذا يواصل قيس سعيد هذا الارتداء المخادع لثوب “الرئيس المعارض” لمحاولة التفصي من مسؤوليته عن الأزمة الحالية المتعددة الأبعاد، مع أنُ هذا الأسلوب صار مكشوفا تماما وفقد تأثيره على الناس؟
الإجابة في رأيي هي أنُ المستبد الشعبوي بٓلٓغٓهُ العلم مثلما بلٓغٓنا، بأنُ أسلوبه الاتصالي التضليلي قد كُشِف وأفلس تماما ولم يعد ينطلي.
ولكنه مضطر إلى الاستمرار في محاولة التفصي من المسؤولية على هذا الخراب الذي تردت فيه تونس بسبب سياساته الفاشلة وانفراده بالحكم المطلق.
فهل سمعت بمذنب يقول خذوني؟ وحتى إن سمعت، فلن يكون هذا المذنب المعترِف ضمن قائمة أو طينة المستبدين في تاريخ الأنظمة الاستبدادية في عالمنا العربي.
في رأيي قيس سعيد يدرك جيدا أنه مثلما أفلس سياسيا كأسوأ ما يكون الافلاس وأوصل الانهيار في تونس إلى درجات بالغة، فإنه قد أفلس اتصاليا وسقطت كل وعوده الزائفة في الماء وتبددت تماما مصداقيته لدى التونسيات والتونسيين.
ولكنّه الهروب إلى الأمام يا صاحبي، الهروب إلى الأمام هو الطريق الكلاسيكية المفضّلة لكل المستبدين في التاريخ.
مثلما أنُ الثورة والغضب هي الطريق المفضلة للشعوب الحرة في مواجهة الاستبداد.
ألم يقل لنا خالدنا محمود درويش في القصيد الذي لحُنه وشدا به مارس
يل خليفة:
إنّ “الثورة نهج الأحرار”.




