نشر حمّة الهمامي، الأمين العام لحزب العمال، مقالًا مطولًا بجريدة صوت الشعب تناول فيه الأحكام الصادرة يوم 2 جوان 2026 في ما يعرف بقضية “الجهاز السري”، والتي شملت قيادات وعناصر من حركة النهضة من بينهم راشد الغنوشي، معتبرًا أن هذه القضية تندرج ضمن المسار الطويل لكشف الحقيقة في ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وأكد أن حزب العمال ظل منذ أكثر من ثلاثة عشر عامًا متمسكًا بمطلب الكشف الكامل عن ملابسات الاغتيالين ومحاسبة كل من خطط أو نفذ أو تستر على الجريمة، معتبرًا أن حركة النهضة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية بحكم وجودها في السلطة آنذاك وبحكم المناخ الذي سمح بتنامي الظاهرة الإرهابية.
وأشار الهمامي إلى أن الحزب ساند هيئة الدفاع عن الشهيدين منذ تأسيسها، باعتبارها هيئة مستقلة تضم محامين من اتجاهات فكرية مختلفة هدفهم كشف الحقيقة، كما دعم مختلف الجهود الرامية إلى منع التلاعب بالملف، سواء عبر تجزئة القضايا أو إخفاء الأدلة أو الحد من دائرة الأبحاث. كما ذكّر بمواقف الحزب الرافضة لتوظيف القضية في الصراعات السياسية بين أجنحة الحكم، مستحضرًا محطات سابقة استُخدم فيها الملف كورقة ضغط سياسية دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على مسار كشف الحقيقة.
وتوقف المقال مطولًا عند المعطيات التي برزت منذ سنة 2018 إثر الكشف عن الوثائق المحجوزة فيما عُرف بـ”الغرفة السوداء” بوزارة الداخلية، معتبرًا أنها مثلت منعطفًا مهمًا في القضية، إذ كشفت، وفق ما ورد في المقال، عن علاقات تربط صاحب مدرسة تعليم السياقة بالمروج بقيادات من حركة النهضة ومسؤولين أمنيين وغيرهم، كما أظهرت امتلاكه وثائق أمنية مصنفة سرية للغاية، وأجهزة تنصت وتصوير، ومعطيات تتعلق بعناصر إرهابية بارزة، إضافة إلى وثائق ومعلومات تخص مؤسسات الدولة وأجهزتها. واعتبر الهمامي أن هذه المعطيات تؤكد أن ما عُرف بالجهاز السري لم يكن مجرد ادعاء سياسي وإنما جهازًا كان بصدد التشكل ويستوجب محاسبة المتورطين فيه كل حسب دوره ومسؤوليته.
وفي المقابل، انتقد ما وصفه بحملات التشويه التي استهدفت حزب العمال إثر الندوة الصحفية الأخيرة لهيئة الدفاع، معتبرًا أن بعض الأطراف استغلت المناسبة لمهاجمة خصوم السلطة الحالية واتهامهم بالتخلي عن قضية الشهيدين أو بمساندة حركة النهضة، لمجرد عدم مشاركتهم في الندوة. كما وجه انتقادات حادة لما سماه “سقط متاع الحشد الفاشي”، متهمًا بعض الشخصيات التي ترفع اليوم شعار العداء للنهضة بأنها كانت في مراحل سابقة على علاقة بها أو استفادت من دعمها السياسي، فيما يحاول آخرون تقديم أنفسهم أوصياء على إرث الشهيدين رغم أنهم كانوا من أشد خصومهما قبل اغتيالهما.
وأكد الهمامي أن حزب العمال ظل متمسكًا باستقلالية قراره السياسي ورفضه الخضوع لأي جهة، وأن مواقفه تُبنى على أساس المبادئ لا على أساس الاصطفافات الظرفية أو البحث عن رضا السلطة. ومن هذا المنطلق شدد على أن وجود وقائع جدية تتعلق بالجهاز السري لا يعني التسليم بصحة كل ما يصدر عن القضاء الحالي، لأن تكييف الوقائع قانونيًا وتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام يبقى من اختصاص قضاء مستقل تتوفر فيه شروط المحاكمة العادلة.
واعتبر أن وضع القضاء في تونس ازداد تدهورًا منذ 25 جويلية 2021، مستشهدًا بمواقف عدد من القضاة والمحامين، وبخاصة عضو هيئة الدفاع عبد الناصر العويني الذي انتقد علنًا ما وصفه بتفشي التعليمات والتدخلات في عمل القضاء وتراجع ضمانات المحاكمة العادلة. ورأى الهمامي أن هذا الواقع ينسحب بدرجة أكبر على القضايا السياسية، ما يطرح إشكاليات جدية حول طبيعة المحاكمات التي طالت معارضين وصحفيين ومدونين، وكذلك تلك المتعلقة بحركة النهضة.
وأشار إلى أن غياب شروط المحاكمة العادلة، مثل علنية الجلسات، وحق المتهمين في الحضور المباشر أمام المحكمة، وحرية عمل المحامين، وتمكين الإعلام والرأي العام من متابعة مجريات القضايا، من شأنه أن يضعف مصداقية الأحكام الصادرة وأن يفتح المجال أمام الطعن فيها والتشكيك في شرعيتها، حتى عندما تكون الوقائع الأصلية قائمة على أسس حقيقية. كما اعتبر أن توظيف ملفات مثل التسفير والجهاز السري وقضايا أخرى في إطار الصراع السياسي يهدد بتحويلها من قضايا تتعلق بالحقيقة والعدالة إلى أدوات لتصفية الحسابات.
وأكد الهمامي أن الدفاع عن المحاكمة العادلة لا يعني الدفاع عن المتهمين أو تبرئتهم، كما أن المطالبة بالمحاسبة لا تعني القبول بالتجاوزات القضائية أو بتدخل السلطة التنفيذية في القضاء.
واعتبر أن الديمقراطي الحقيقي هو من يتمسك في الآن نفسه بضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة المذنبين، وبالدفاع عن استقلال القضاء وحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة، لأن أي تفريط في أحد هذين المبدأين يؤدي إما إلى الإفلات من العقاب أو إلى تحويل العدالة إلى أداة سياسية.
كما استعرض موقف هيئة الدفاع التي أعلنت في جانفي 2025 تعليق حضورها جلسات المحاكمات المتعلقة باغتيال الشهيدين، احتجاجًا على ما اعتبرته إخلالات تمس من جوهر المحاكمة العادلة، من بينها التسرع في تسيير الملفات، ومنع العموم والصحفيين من متابعة الجلسات، واعتماد المحاكمة عن بعد، وعدم استقرار تركيبة الهيئات القضائية المتعهدة بالقضية. واعتبر أن هذه الملاحظات تؤكد أن الخطر لا يكمن فقط في الأحكام الصادرة، بل أيضًا في المسار الذي أنتجها.
وختم الهمامي مقاله بالتأكيد على أن معركة كشف الحقيقة في ملفي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي لم تنته بصدور الأحكام الأخيرة، بل ما تزال متواصلة، وأن ضمان عدم ضياع الحقيقة أو إعادة توظيفها سياسيًا يمر عبر الدفاع عن استقلال القضاء ورفض المحاكمات الجائرة والتصدي لكل أشكال الاستبداد، بما يسمح مستقبلاً ببناء دولة قانون ديمقراطية تحفظ الحقوق والحريات وتضمن المحاسبة العادلة لكل من يثبت تورطه في الجرائم السياسية والإرهابية.




