رأيوطنية

حين تصبح الكراهية سياسة: الإرث الأخطر لقيس سعيّد

في عهده تمدّدت حبال التخوين، وتشعّبت أشجار الكراهية، وتحوّل الخصوم السياسيون إلى أعداء

بقلم خولة بوكريم

لم يمرّ على تاريخ تونس رئيس غذّى الحقد والكراهية بين التونسيين كما فعل قيس سعيّد. رئيس جعل من الفرقة سياسة، ومن العدو الداخلي وقودًا دائمًا للبقاء في السلطة.

في عهده تمدّدت حبال التخوين، وتشعّبت أشجار الكراهية، وتحوّل الخصوم السياسيون إلى أعداء، والاختلاف إلى تهمة، والنقد إلى خيانة.

ولم يقتصر خطاب التقسيم على السياسة فقط، بل امتدّ إلى المجتمع نفسه. فشيئًا فشيئًا أصبحت البلاد تُختزل في ثنائيات متقابلة: وطنيون وعملاء، شعب ونخب، فقراء وأغنياء، أبناء الوطن وأعداؤه. وكلما تعمّقت الأزمات، جرى البحث عن خصم جديد لتحميله مسؤولية الفشل.

ولعلّ أخطر تجليات هذا المسار ما حدث منذ فيفري 2023، حين جرى ربط الهجرة غير النظامية القادمة من دول إفريقيا جنوب الصحراء بما اعتُبر “مخططًا لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس”.

منذ ذلك التاريخ عاد خطاب عنصري كان يُعتقد أنه هامشي إلى واجهة النقاش العام. ولم يعد التحريض موجّهًا فقط ضد المهاجرين الأفارقة، بل امتدّ أثره أحيانًا حتى إلى تونسيين سود وجدوا أنفسهم أمام أسئلة وتمييز ونظرات شك بسبب لون بشرتهم، في بلد يفترض أن المواطنة فيه لا تُقاس باللون أو الأصل.

وهكذا تحوّل الخوف من “الآخر” إلى أداة سياسية، وتراجعت لغة المواطنة لصالح لغة الفرز والتصنيف والاشتباه.

رئيس يحكم ضد الجميع

لم يكتفِ قيس سعيّد بصناعة عدوّ سياسي، بل بدا وكأنه يحتاج باستمرار إلى خصم جديد. فبعد الأحزاب جاءت النقابات، وبعدها القضاة، ثم المحامون والصحفيون والجمعيات والمنظمات الحقوقية. وكلما ضاقت دائرة المؤيدين اتسعت دائرة “المتآمرين”.

وكأن السلطة لم تعد تُعرّف نفسها بما تنجزه، بل بمن تعاديه. فبدل أن يصبح الإنجاز الاقتصادي أو التنموي مصدر الشرعية، أصبحت المعركة الدائمة ضد “الأعداء” جزءًا من خطاب الحكم نفسه.
مناخ التخوين وتراجع الحريات

لم يبقَ التخوين مجرد خطاب سياسي، بل تحوّل تدريجيًا إلى مناخ يبرر التضييق على الحريات.

فعندما يُصوَّر المعارض كخائن، والصحفي كعميل، والناشط كمتآمر، يصبح استهدافه أسهل أمام الرأي العام. وهكذا مهّد خطاب الانقسام الطريق أمام ملاحقات قضائية وسجون ومحاكمات لم يكن من السهل تبريرها في مناخ سياسي طبيعي.

لقد تحوّلت كلمات مثل “التآمر” و”العمالة” و”الخيانة” من أوصاف استثنائية إلى مفردات متداولة في النقاش العام، بما ساهم في تآكل المساحات المشتركة بين التونسيين وفي إضعاف ثقافة الاختلاف الديمقراطي.

من وعود 2019 إلى واقع 2026

في سنة 2019، لم يصوّت ملايين التونسيين لقيس سعيّد من أجل مزيد من الانقسام. لقد رأوا فيه رجلًا نظيف اليدين، مختلفًا عن الطبقة السياسية التقليدية، وقادرًا على إعادة الثقة إلى الدولة.

لم يصوّتوا من أجل أن يصبح نصف التونسيين موضع شبهة، ولا من أجل أن تتحول السياسة إلى معركة دائمة بين “الخونة” و”الوطنيين”.

لكن بعد سنوات من الحكم، تبدو الفجوة واسعة بين صورة المرشح القادم من خارج المنظومة وصورة الرئيس الذي أصبحت البلاد في عهده أكثر استقطابًا وانقسامًا.

لماذا لا يستقيل؟

هنا يطرح سؤال نفسه: لماذا لا يكون قيس سعيّد مثل الشاذلي بن جديد، الذي استقال في جانفي 1992 حين أقرّ بأن البلاد وصلت إلى طريق مسدود؟ كان ذلك قرارًا نادرًا في تاريخ الزعماء العرب.

لكن قيس سعيّد لا يرى نفسه فاشلًا، بل يرى نفسه “المنقذ”. وهذا بالضبط ما يجعله أخطر. فالحاكم الذي يعرف حدود تجربته قد يراجع خياراته أو ينسحب عندما يدرك أن مشروعه وصل إلى نهايته.

أما الحاكم الذي يرى نفسه تجسيدًا لإرادة الشعب وصاحب رسالة تاريخية، فإنه لا يرى في الإخفاق دليلًا على فشل سياساته، بل دليلًا على أن خصومه لم يُهزموا بعد.

ولهذا لا يستقيل المستبد المؤمن بمشروعيته. بل كلما فشل أكثر، ازداد تمسكًا بالسلطة، لأن الاعتراف بالفشل بالنسبة إليه ليس مراجعة سياسية، بل انهيار لصورة بناها عن نفسه طوال سنوات.

ما بعد قيس سعيّد

لذلك، من أخطر ما سيتركه قيس سعيّد وراءه ليس الأزمة الاقتصادية ولا تعثّر التنمية ولا تراجع مؤسسات الدولة فقط، بل الأثر العميق الذي زرعه في النفوس: ثقافة الحقد والتخوين والانقسام بين التونسيين.

فالاقتصاد يمكن إصلاحه، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها، والاستثمارات يمكن أن تعود. أما الشروخ التي تُزرع بين أبناء الوطن الواحد فتحتاج سنوات طويلة حتى تندمل.

فالرؤساء يرحلون في نهاية المطاف، لكن آثار خطابهم تبقى. والسؤال الذي سيواجه تونس لاحقًا ليس فقط كيف تُصلح اقتصادها أو مؤسساتها، بل كيف تعيد بناء الثقة بين مواطنين تعلّموا لسنوات أن ينظر بعضهم إلى بعض بعين الشك والتخوين.

فالكراهية قد تكون أداة فعالة في السياسة على المدى القصير، لكنها سمّ بطيء في حياة الأمم. وربما يكون هذا، في النهاية، الإرث الأثقل الذي سيتركه قيس سعيّد لتونس.

كاتب

  • مؤسسة ومديرة موقع تونس ميديا، أستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار -دبلوم اقتصاد وعلوم سياسية. مدافعة عن حقوق الإنسان-صحافية استقصائية، متخصصة في تحقيقات قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان. مدربة في الصحافة وقضايا الجندر ومكافحة الأخبار الزائفة.

    View all posts

خولة بوكريم

مؤسسة ومديرة موقع تونس ميديا، أستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار -دبلوم اقتصاد وعلوم سياسية. مدافعة عن حقوق الإنسان-صحافية استقصائية، متخصصة في تحقيقات قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان. مدربة في الصحافة وقضايا الجندر ومكافحة الأخبار الزائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى