الأخباروطنية

مصدق: استهداف المحامين لا يمثل استهدافاً لفئة مهنية بعينها بل هو استهداف مباشر للحق العالمي في الدفاع والمحاكمة العادلة

على رأسها الحريات العامة واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة

قالت المحامية والناشطة الحقوقية دليلة مصدق، خلال مداخلة مطولة حول وضعية المحاماة في تونس أمام ممثلي الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بمدينة جنيف، إن تونس تعيش منذ 25 جويلية 2021 ما وصفته بمسار تفكيك ممنهج للضمانات الأساسية التي تحمي المواطنين في مواجهة السلطة، وعلى رأسها الحريات العامة واستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

وأكدت مصدق أن البلاد دخلت منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة تميزت بتركيز السلطات بيد رئيس الجمهورية، معتبرة أن القضاء كان أول ضحايا هذه التحولات بعد حلّ الهيئات الضامنة لاستقلاله وعزل عدد من القضاة وممارسة ضغوط عليهم وتوظيف القانون لأغراض سياسية، وهو ما أدى، وفق تعبيرها، إلى كسر العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه أي ديمقراطية.

وأضافت أن هذا الواقع جعل ممارسة مهنة المحاماة في تونس عملاً يتطلب شجاعة كبيرة، مشيرة إلى أن المحامين الذين يتولون الدفاع عن المعارضين السياسيين أو الصحفيين أو النشطاء أو سجناء الرأي أصبحوا عرضة للملاحقة أو الإدانة أو السجن أو النفي بسبب مواقفهم وتمسكهم بحق الدفاع.

وفي هذا السياق، استعرضت قائمة من المحامين الذين قالت إنهم يقبعون حالياً خلف القضبان، وهم الأساتذة العياشي الهمامي، ونجيب الشابي، وغازي الشواشي، ورضا بلحاج، وشوقي الطبيب، النقيب السابق للمحامين، وعبير موسي، ونور الدين البحيري، وسيف الدين مخلوف.

كما أشارت إلى عدد من المحامين الذين صدرت في حقهم أحكام سابقة وأُفرج عنهم بعد قضاء العقوبة، وهم سنية الدهماني، وأحمد صواب، ومهدي زڤروبة، والأزهر العكرمي.

وتطرقت كذلك إلى المحامين الذين قالت إنهم ما زالوا محل ملاحقات قضائية أو صدرت بحقهم أحكام مع وقف التنفيذ، ومن بينهم عبد العزيز الصيد، وسمير ديلو، وسعيدة العكرمي، وأنور أولاد علي، وسامي التريكي، ومالك بن عمر، وناصر الحرابي، ومحسن الصحباني، ومنية بوعلي، ورمزي بن ضياء، ونزار التومي، وإيناس حراث، إلى جانب آخرين.

أما بالنسبة للمحامين الذين غادروا البلاد، فقد ذكرت بشرى بلحاج حميدة، وإبراهيم بلغيث، ومبروك كورشيد، وعبد الرزاق الكيلاني، النقيب السابق للمحامين، وبشير الشابي، وإسلام حمزة، بالإضافة إليها شخصياً، موضحة أنها تواجه سبع قضايا جزائية مختلفة على خلفية تصريحات تناولت أوضاع السجناء السياسيين وطبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.

وشددت مصدق على أن ما يجمع بين جميع هؤلاء المحامين والمحاميات هو أنهم اختاروا الدفاع عن موكليهم والتمسك بالمبادئ العالمية للعدالة والحرية، معتبرة أنهم يدفعون اليوم ثمن وفائهم لهذه المبادئ.

كما أشادت بالدور الذي تضطلع به الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، مؤكدة أنها تحركت خلال الفترة الماضية بشكل غير مسبوق من خلال تنظيم إضرابات جهوية وتحركات وطنية احتجاجاً على اعتقال المحامين وتراجع استقلال القضاء. وأضافت أن السلطة قابلت هذه التحركات بالتجاهل، مشيرة إلى أن وزيرة العدل أغلقت باب الحوار وتجاهلت المطالب المتعلقة بحماية حقوق الدفاع.

وتوقفت المتحدثة عند ما وصفته بالدور الاستثنائي الذي يضطلع به المحامون في الدفاع عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، موضحة أنهم يواصلون زيارة موكليهم داخل السجون بشكل أسبوعي رغم ما يواجهونه من صعوبات متزايدة.

وقالت إن المعتقلين يتم توزيعهم عمداً على سجون بعيدة عن أماكن إقامة عائلاتهم ومحاميهم، الأمر الذي يضاعف من معاناة الدفاع ويهدف، بحسب تقديرها، إلى عزل السجناء وإضعاف قدرتهم على التواصل مع العالم الخارجي. كما تحدثت عن صعوبات الحصول على تراخيص الزيارة، وما وصفته بالتأخيرات غير المبررة والرفض التعسفي والعراقيل الإدارية التي تواجه المحامين بشكل متكرر.

وأضافت أن هذه العراقيل لم تثن المحامين عن أداء واجبهم، إذ يواصلون قطع مئات الكيلومترات لمقابلة موكليهم، ومواجهة الضغوط والعقبات المختلفة، حتى يضمنوا عدم ترك أي معتقل بمفرده في مواجهة ظروف سجنه أو محاكمته.

وأكدت مصدق أن استهداف المحامين لا يمثل استهدافاً لفئة مهنية بعينها، بل هو استهداف مباشر للحق العالمي في الدفاع والمحاكمة العادلة، موضحة أن سجن المحامي بسبب مرافعاته أو ملاحقته بسبب آرائه أو دفعه إلى المنفى يعني عملياً المساس بحرية التعبير واستقلال الدفاع وتقويض أسس العدالة.

وقالت إن التاريخ أثبت مراراً أن استهداف المحامين يشكل أحد أبرز المؤشرات على تراجع دولة القانون، معتبرة أن ما يجري في تونس لم يعد مجرد خطر محتمل بل واقعاً يعيشه يومياً رجال ونساء لم يرتكبوا، وفق تعبيرها، أي ذنب سوى اختيارهم الدفاع عن الحقوق والحريات.

وفي ختام مداخلتها، دعت ممثلي الدول الأعضاء بالمجلس وآليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان إلى عدم تجاهل ما يحدث في تونس، مطالبة بوقف جميع الملاحقات التي وصفتها بالتعسفية، والإفراج عن المحامين المعتقلين لأسباب سياسية، واحترام ضمانات الدفاع، وحماية المحامين من أعمال الانتقام، والعمل من أجل إعادة بناء قضاء مستقل استقلالاً حقيقياً.

وختمت بالقول: «من دون محامين أحرار، لا يمكن أن يكون هناك قضاء مستقل. ومن دون قضاء مستقل، لا توجد دولة قانون، ولا ديمقراطية، ولا حماية حقيقية لحقوق الإنسان».

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى