الأخباروطنية

جمعية القضاة التونسيين: إيقاف القضاة عن العمل «عزل مقنّع» لتقويض ما تبقّى من استقلال القضاء

من أبرز مظاهر هذا الاستهداف ما طال عضو مكتبها التنفيذي، القاضي محمد بن مفتاح، بقرار إيقاف عن العمل

نشرت جمعية القضاة التونسيين بيانًا على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أكدت من خلاله رفضها لما وصفته باستفحال انتهاج السلطة التنفيذية سياسة التنكيل بالقضاة، عبر قرارات وصفتها بـ«الجائرة» تتمثل في تواتر إيقاف القضاة عن العمل وحرمانهم من أجورهم، بما يترتب عنه إقصاؤهم من ممارسة وظائفهم وتعطيل مساراتهم المهنية وإخضاعهم لوضعيات مهنية ومالية تمس بصورة مباشرة بأمنهم الوظيفي واستقلالهم، وبجوهر استقلال القضاء، وبالضمانات الدستورية والدولية لعدم عزل القضاة وحق المتقاضين في قضاء مستقل ومحايد.

وقالت الجمعية إن من أبرز مظاهر هذا الاستهداف ما طال عضو مكتبها التنفيذي، القاضي محمد بن مفتاح، بقرار إيقاف عن العمل، مؤكدة أنه مُنع من تسلّم أي أثر كتابي للقرار. وذكّرت بأن بن مفتاح تعرّض، وفق روايتها، للتنكيل على مدى سنوات بواسطة مذكرات عمل، إذ تم نقله سنة 2024 من محكمة التعقيب إلى محكمة الاستئناف بباجة، ومنها إلى محكمة الاستئناف بقفصة في جانفي 2026، مباشرة إثر تقديم ترشحه لعضوية المكتب التنفيذي للجمعية.

وأضافت أن القاضي محمد بن مفتاح أُبلغ شفاهيًا بقرار إيقافه عن العمل في أوت 2026، مع حرمانه من الأجر ودون تحديد سقف زمني للقرار أو تقديم تعليل له، معتبرة أن ذلك يستهدفه بسبب استقلاليته ودفاعه عن استقلال القضاء، كما يمثل، بحسب تقديرها، استهدافًا جديدًا لجمعية القضاة التونسيين في نشاطها وفي حرية أعضاء مكتبها التنفيذي وأعضائها في التعبير والتنظم والنشاط دفاعًا عن استقلال القضاء والحقوق والحريات.

وربطت الجمعية هذا الاستهداف بما اعتبرته مسارًا متواصلًا ضدها، مشيرة إلى ما وصفته بـ«المحاكمة الجائرة» لرئيسها والحكم عليه بالسجن سنة مع النفاذ العاجل، في محاكمة قالت إنها «لا تستجيب لأدنى مقومات المحاكمة العادلة».

وأكدت الجمعية أنها سبق أن أصدرت بيانات عدة ندّدت فيها بما اعتبرته انتهاكًا من السلطة التنفيذية لضمانات استقلال القضاء ولمبدأ الفصل بين السلط، كما استحضرت مواقف الاتحاد الدولي للقضاة والمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، والتي دعت الدولة التونسية، وفق ما ورد في البيان، إلى احترام التزاماتها الدولية وما تنص عليه المعايير الدولية المتعلقة باستقلال القضاء.

وفي هذا السياق، ذكّرت الجمعية بمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية ومبادئ بنغالور للسلوك القضائي، مؤكدة وجوب عدم تعرّض السلطة القضائية والقضاة لأي تدخلات أو ضغوط أو تهديدات أو تأثيرات غير مشروعة من أي جهة، وضرورة توفير ضمانات كافية للقضاة بشأن مدة خدمتهم واستقرارهم الوظيفي.

وشددت على أن تعليق القاضي أو عزله لا يجوز أن يتم إلا لأسباب تتعلق بعدم الكفاءة أو سوء السلوك، ووفق إجراءات عادلة ومحددة مسبقًا، وأن إجراءات التأديب والإيقاف والعزل يجب أن تستند إلى معايير ثابتة وإجراءات عادلة، مع احترام حق القاضي في الدفاع. واعتبرت أن هذه المبادئ تجعل الأمن الوظيفي للقاضي جزءًا لا يتجزأ من استقلال القضاء، وليس مجرد حق وظيفي، كما تجعل استقلالية القضاء شرطًا مسبقًا لسيادة القانون والمحاكمة العادلة، وتفرض حماية القاضي من التأثيرات الخارجية المباشرة وغير المباشرة.

الجمعية: التوقيف التأديبي من اختصاص مجلس القضاء
وفي الجانب القانوني، ذكّرت جمعية القضاة التونسيين بأن آلية التوقيف عن العمل في إطار تتبع تأديبي هي، بحسب موقفها، اختصاص حصري للمجلس الأعلى للقضاء عند انعقاده كمجلس تأديب.

وأوضحت أنه في حال ثبوت أن الأفعال المنسوبة إلى القاضي المحال على مجلس التأديب تشكل جناية أو جنحة يعاقب عليها جزائيًا، فإن المجلس يصدر قرارًا معللًا في الإيقاف عن العمل إلى حين البت في التتبع الجزائي الذي تم إثارته.

وانطلاقًا من ذلك، جدّدت الجمعية تنديدها بما يطال القضاة من قرارات إيقاف عن العمل، ووصفتها بأنها قرارات سرية ومجحفة ومختلة شكلًا وتأسيسًا، باعتبار أن الإعلام بها يتم شفاهيًا ودون أي أثر كتابي.

واعتبرت أن إبقاء هذه القرارات في نطاق السرية يحول دون اطلاع عموم القضاة والرأي العام عليها، وذلك في ما وصفته بـ«توظيف جائر لغياب مجلس أعلى للقضاء فاعل ومستقل»، بعد تجميده عبر إحداث شغورات صلبه بالحركة القضائية للسلطة التنفيذية.

كما أشارت إلى غياب أي تتبعات جزائية تشمل القضاة الصادرة في شأنهم قرارات الإيقاف عن العمل، وهو ما يجعل القرار، بحسب الجمعية، غير محدد بأي سقف زمني، ومنتجًا لآثار مستمرة في الزمن، الأمر الذي اعتبرته «عزلًا مقنّعًا».
استنكار خاص لإيقاف محمد بن مفتاح

وأكد المكتب التنفيذي للجمعية استنكاره الشديد لما وصفه بالاستهداف المباشر لعضوه القاضي محمد بن مفتاح، من خلال إيقافه التعسفي عن العمل وحرمانه الفوري من الأجر ودون تحديد سقف زمني للقرار.

كما استنكرت الجمعية غياب أي ضمانات إجرائية تمكّن القاضي من الاطلاع على القرار والدفاع عن نفسه، رغم طلبه الحصول على نسخة منه للاطلاع عليه والطعن فيه، مؤكدة أن طلبه جوبه، وفق البيان، بالرفض الصريح والقطعي من وزارة العدل.
واعتبرت الجمعية أن هذا القرار يمثل استهدافًا مباشرًا لقاضٍ مستقل يدافع عن استقلال القضاء، واستهدافًا آخر لجمعية القضاة التونسيين.

الجمعية تطعن في السند القانوني لقرارات وزيرة العدل
وشددت الجمعية على أن القرارات الصادرة عن وزيرة العدل بإيقاف القضاة عن العمل «باطلة لانعدام السند القانوني» الذي يخوّلها ذلك.

وأوضحت أن الفصل 54 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المتعلق بالقانون الأساسي للقضاة كان قد أجاز لوزير العدل إيقاف القضاة عن العمل في حالة التأكد، على أن يقع تعهيد المجلس الأعلى للقضاء في ظرف شهر.

غير أن الجمعية أكدت أن هذا الفصل أُلغي بموجب القانون عدد 34 لسنة 2016، الذي ألغى أحكام قانون 1967 المتعلقة بتأديب القضاة، ومن بينها الفصل 54 المذكور، معتبرة أن ذلك أدى إلى سحب أي صلاحية لإيقاف القضاة عن العمل من وزير العدل.

وأضافت أن إلغاء القانون عدد 34 لسنة 2016 بموجب صدور المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المحدث للمجلس الأعلى المؤقت للقضاء لا يمكن، وفق تقديرها، أن يؤدي إلى استرجاع وزير العدل للصلاحية المنصوص عليها سابقًا في الفصل 54، الذي أصبح، بحسب تعبيرها، «في حكم المعدوم».

كما أكدت أن مرسوم المجلس الأعلى المؤقت للقضاء ودستور 2022 لم يُسنِدا هذا الاختصاص بصفة مبدئية أو استثنائية إلى وزير العدل.

تحذير من «فراغ مؤسسي» داخل القضاء
وحذّرت جمعية القضاة التونسيين الرأي العام من أن تعمّد السلطة التنفيذية، وفق توصيفها، فرض وضعية «الفراغ المؤسسي» على القضاء، سواء عبر حل المجلس الأعلى للقضاء الدائم أو تجميد المجلس الأعلى للقضاء المؤقت، مكّنها من استغلال هذا الفراغ والتحكم فيه لاستهداف القضاة بقرارات الإيقاف عن العمل.

وأوضحت أن ذلك يتم، بحسب البيان، دون إحالة القضاة على مجلس التأديب ودون الكشف عن المآخذ المنسوبة إليهم حتى يتسنى التثبت من مدى صحتها، معتبرة أن هذه الممارسات تحوّل القرارات إلى ما يشبه «قرارات عزل مقنّعة».

وحذّرت الجمعية من أن التحكم في الفراغ القائم في المسارات التأديبية سيؤدي، في هذه الظروف، إلى مزيد ترهيب القضاة وإخضاعهم لتوجيهات السلطة فيما يعرض على المحاكم من قضايا، معتبرة أن ذلك سيمثل تهديدًا خطيرًا ومستمرًا للحقوق والحريات ولمقومات دولة القانون.

مطالب بإلغاء قرارات الإيقاف وإعادة القضاة إلى العمل
وطالبت الجمعية بالإلغاء الفوري لقرارات إيقاف القضاة عن العمل الصادرة عن السلطة التنفيذية، معتبرة أنها لا تتوفر على الشروط والضمانات التي يفرضها القانون والمعايير الدولية لاستقلال القضاء.

كما طالبت بالإرجاع الفوري للقضاة المعنيين إلى ممارسة وظائفهم، ورفع الحرمان من أجورهم وإرجاع الحقوق إلى أصحابها، والكف فورًا عن وضع اليد على القضاء وارتهانه وضرب استقلاليته.

وشددت على ضرورة عدم إبقاء القضاة في وضعية إيقاف أو تعليق إلى أجل غير محدد، وعدم استعمال الإيقاف والحرمان من الأجر كوسيلة للضغط على القضاة ومعاقبتهم قبل ثبوت مسؤوليتهم، مع ضمان حقهم في الدفاع والاطلاع على ملفاتهم ومراجعة القرار من قبل جهة مستقلة وفقًا للمعايير الدولية.

كما طالبت السلطة التنفيذية بالكف فورًا عن استعمال هذه الآلية.

دعوة إلى عودة المجلس الأعلى للقضاء وتركيز المحكمة الدستورية
وجدّدت جمعية القضاة التونسيين مطالبتها بعودة المجلس الأعلى للقضاء إلى نشاطه، وخاصة مجلس القضاء العدلي، وتركيز المحكمة الدستورية، وضمان إرساء مجلس أعلى للقضاء مستقل ومنتخب، يتولى وحده التصرف في المسارات المهنية والتأديبية للقضاة بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية.

كما جدّدت دعوتها إلى احترام التزامات تونس الدولية المتعلقة باستقلال القضاء والمحاكمة العادلة.

وفي ختام بيانها، عبّرت الجمعية عن مطلق تضامنها ومؤازرتها لجميع القضاة الذين شملتهم قرارات الإيقاف عن العمل، داعية إياهم إلى ممارسة حقهم في الطعن في تلك القرارات لدى القضاء الإداري.

كما دعت كافة القضاة، في ظل ما وصفته بالظرف الدقيق والصعب الذي يمر به القضاء التونسي، إلى التشبث باستقلال قرارهم القضائي رغم الضغوط والتضحيات، بما يتماشى مع نبل رسالتهم، وذلك إلى حين عودة جميع الضمانات المكفولة لهم قانونًا.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى