خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب المنعقدة اليوم 10 جويلية 2026، بمناسبة النظر في اتفاقية قرض من البنك الدولي للإنشاء والتعمير لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وجّه النائب محمد علي انتقادات حادة لسياسة الاقتراض المتواصلة، داعيًا إلى مراجعة شاملة للسياسة الطاقية وإصلاح جذري لحوكمة المؤسسة العمومية.
وأكد النائب أن مشروع القانون المعروض لا يقدم رؤية وطنية متكاملة للطاقة، ولا يتضمن استراتيجية واضحة لتحقيق الأمن الطاقي أو الانتقال نحو الطاقات المتجددة، كما لا يقدم برنامجًا لإصلاح الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بل يقتصر، وفق تعبيره، على طلب المصادقة على قرض جديد.
وتساءل محمد علي عن الدور الذي أصبح يضطلع به مجلس نواب الشعب في ظل تكرر اتفاقيات التمويل، قائلًا إن البرلمان لا يمكن أن يقتصر دوره على «الموافقة على القروض» دون مناقشة أسباب اللجوء المتكرر إلى الاقتراض أو تقييم نتائج القروض السابقة ومحاسبة الجهات المسؤولة عن حسن توظيفها.
وأشار النائب إلى أن الاقتراض تحول إلى سياسة عمومية قائمة بذاتها بدل أن يكون خيارًا استثنائيًا تفرضه الظروف، متسائلًا عن الحصيلة الفعلية للقروض التي تحصلت عليها الدولة والمؤسسات العمومية خلال السنوات الماضية، وعن مدى انعكاسها على النمو والتشغيل والتوازنات المالية والسيادة الاقتصادية.
وفي علاقة بقطاع الكهرباء والغاز، اعتبر محمد علي أن من حق النواب مساءلة الحكومة حول مآل القروض السابقة الموجهة إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، مشيرًا إلى أن المؤسسة تحصلت بين سنتي 2014 و2026 على قروض بقيمة تناهز 6500 مليون دينار.
وقال إن السؤال الأساسي المطروح هو: هل ساهمت هذه التمويلات في تحسين الحوكمة داخل الشركة، وتقليص الخسائر، وتطوير الإنتاج، وتحديث شبكات النقل والتوزيع وتحقيق الأمن الطاقي؟
وأضاف أن الواقع يبرز استمرار الصعوبات، خاصة مع ارتفاع العجز الطاقي الذي انتقل، حسب ما ذكر، من حوالي 2.7 مليار دينار سنة 2016 إلى أكثر من 11.1 مليار دينار سنة 2025، معتبرًا أن تواصل الاقتراض دون تحقيق النتائج المنتظرة يطرح أسئلة جدية حول نجاعة الخيارات المعتمدة.
وشدد النائب على ضرورة معرفة الاستخدام الفعلي للقرض الجديد، متسائلًا عما إذا كان سيمول استثمارات حقيقية في الإنتاج والطاقات المتجددة وتحديث الشبكات، أم أنه سيخصص لتغطية عجز متراكم وتسديد ديون سابقة.
واعتبر أن هناك فرقًا بين الاقتراض لإنجاز مشاريع جديدة تخلق قيمة مضافة، وبين الاقتراض لتسديد قروض قديمة، محذرًا من الدخول في حلقة مفرغة عنوانها «الاقتراض من أجل سداد الاقتراض».
كما دعا إلى توضيح مآل الديون المتراكمة للشركة التونسية للكهرباء والغاز، خاصة تجاه الشركة الجزائرية، مؤكدًا أن المجلس من حقه معرفة طبيعة استعمال التمويلات الجديدة ومآلاتها.
وتطرق محمد علي إلى مسألة الحوكمة وإعادة الهيكلة، محذرًا من أن تتحول هذه العناوين إلى مدخل لسياسات قد تنتهي برفع الدعم والأسعار وتقليص دور الدولة وفتح المجال تدريجيًا أمام الخوصصة.
وطالب الحكومة بتقديم ضمانات واضحة بأن التمويل الجديد لن يكون جزءًا من مسار يؤدي إلى إضعاف دور المؤسسة العمومية أو تحميل المواطن كلفة اختيارات اقتصادية غير مدروسة.
وأكد النائب أن رفضه لا يتعلق بالاستثمار أو بتطوير الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بل على العكس، شدد على ضرورة أن تكون المؤسسة في قلب مشروع وطني لتحقيق الاستقلال الطاقي، وتطوير الطاقات الشمسية والريحية، وتحسين النجاعة الطاقية وتقليص التبعية للخارج.
وختم محمد علي مداخلته بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد القروض التي تتم المصادقة عليها، بل في قدرة المسؤولين على تقييم نتائجها ومحاسبة من أساء التصرف فيها، والدفاع عن المرفق العمومي والحفاظ على السيادة الاقتصادية لتونس.
وقال إن التاريخ لن يحاسب النواب فقط على القروض التي صادقوا عليها، بل على مدى قدرتهم على حماية مصالح الأجيال القادمة واتخاذ قرارات تضمن تنمية مستدامة واستقلالية اقتصادية حقيقية.




