
توميديا باريس-خولة بوكريم
بصراحة هنيئا لبعض الإعلاميين.ات الذين لا يتجاوزوا اثنين أو ثلاثة واستطاعوا الحفاظ على مقاعدهم زمن الاستبداد الحالي.
بينهم مثلا من استطاع.ت العمل زمن قيس سعيد في كل القنوات والإذاعات..لم تغلق في وجهها الأبواب حتى ولو المشهد الإعلامي خراب…
طبعا المضامين خالية من الحقيقة ومن التضامن مع الصحفيين في السجن. عمل.ت في شمس اف ام التي صادروها ثم أغلقوها، ثم اكسبريس اف ام ثم “الحوار” ثم قرطاج بليس ( قبل أن يتحول اسمها فجأة إلى “شرق وغرب” وأصبحت تبث من خارج تونس ).
قرطاج بليس التي أودى فيها plateau الشهير ببرهان وسنية وبوغلاب إلى السجن واحدا تلو الآخر …ثم تبخرت.
واليوم نفس الشخص في تلفزة تي في والإذاعة معا وأماكن أخرى.
هذه الكلمات صدقًا لا تتهكم على أحد ولا تدين أحد، بل بالعكس تنقلُ وقائع كما هي، قد تغيب في جزء منها على ذهن المتابعين لكن مهم توثيقها و تُثمنّ أيضا هذه القدرات الخارقة على التحول والانتقال والتعايش في مشهد إعلامي منهار تماما!
هي مجرد سطور للتأمل في شكل سؤال بصوت عال: هل هم على حق ونحن على ضلال!
عندما رأينا دستورا يمزق وقلنا هذا خرق فاضح للقانون ..أو عندما رأينا السجون تبتلع دون محاكمات عادلة وقلنا هذا تقويض لدولة القانون أو عندما نقلنا صرخات القضاة المعزولين دون تهم وقلنا هذا ظلم وقمع مرده انهيار وشيك كامل للعدالة على رؤوس الجميع دون استثناء…وغيره وغيره من الأحداث التي لا يستطيع أي صحفي نزيه يملك قلما حرا سوى التنديد بها والتشهير بها وتبرئة ذمته أمام الجمهور…بأن هناك جريمة تحصل! وهذا دور الصحافة!
نحن الصحافيون، المتخرجون من معهد الصحافة وعلوم الأخبار، لا اللاجئين من مهن فشل أصحابها فيها، إلى مهنة مغتصبة، سياجها هش، وقوانينها ورق، يطبق على ممتهنيها مجلة الاتصالات تلك الخرقة البالية وقانون الإرهاب والمرسوم الساقط 54 ….
كنا نتمنى أن نجدَ كل هذه المنابر بسهولة قبل خمسة وعشرين وبعدها …لكننا اخترنا أن نكون كائنات حبرية ورقيا ورقميا، لم نطبل ولم نأتِ على ظهور مرشحين رئاسيين ولا رجال أعمال نافذين …لا أتحدث عن نفسي فقط انظروا حولكم تعرفونهم جيداً …قلة لكنهم هنا موجودون.
أسمائنا وصورنا لم تأت مُسقطة ولا بأوامر بل رفع عنها الستار بعد سنوات نحتٍ في الصخر واستحقاق.
كُنا فعلا لا نضطر إلى خلق مواطن إعلام بديل تشغيلية ومضامينية، وألاّ تنزل علينا اتهامات باطلة بالعمالة، كلما فتحنا ملف فساد أو ازعجنا السلطة.
كنا نرجو أيضا ألا نقف الساعات الطوال بعد خمسة وعشرين جويلية 2021 أمام المحاكم المدنية والعسكرية و السجون في المرناقية وبلي ومنوبة والمسعدين، من أجل المناداة بحرية زملائنا على غرار عامر عياد وصالح عطية وشذى حاج مبارك ومراد زغيدي محمد بوغلاب وزياد الهاني وسنية دهماني وخليفة قاسمي وغيرهم.
بمنطق مبدئي بحت لا يرى الوجوه ثم يفكر في الموقف بل بعضهم لم يكونوا لا من معارفنا ولا أصدقائنا ولا حتى يشاركوننا أفكارنا هم فقط #زملائنا …وضحايا تعسف قضائي بسبب قرار سياسي يعاقبهم على آرائهم ومواقفهم.
وحتى حينما تم إيقاف صاحب موزاييك نور الدين بوطار لم نتخلى عنه وطالبنا بحريته حينما صمت اغلب من مر أجيراً عنده بمسميات مختلفة…
تلك الإذاعة التي هبت عليها اليوم رياح الصنصرة للأسف، و التي صنعت لسنوات كل “النجوم” الإعلامية والأكاديمية والنخبوية، وتسربت فيما بعد في باقي الدكاكين هؤلاء الذين صمتوا فجأة اليوم وكأن الحريات لم تعد تعنيهم والحديث في السياسة كفر! بعد أن فعلوا زمن العشرية ما لا يتخيله صغير ولا كبير …طبعا في إطار “حرية التعبير” .
كنا نتمنى أن ننكب فقط على العمل الصحفي وان نواصل ما بدأناه لسنوات قبل خمسة وعشرين جويلية من تحقيقات وتدريبات ومحاولات اصلاح واحلام بأن تكون الصحافة فعلا سلطة رابعة لا وظيفة خاضعة. فأصبحت يومياتنا عمل وإنتاج واحتجاج…و “كل التضامن فلان ..فلانة” حتى فقدت الكلمة مغزاها ومعناها …ومنع ومنع ومنع …
حتى هيئة انتخاباتٍ مُنصبة غير شرعية ساوت فينا الأهوال، كما شاءت وأسكتت المنابر وسحبت الاعتماد وأرسلت المكاتيب العدلية والمراسلات، المضمنة بالتهديد والوعيد والمعاينات، لكل من ينتقدُ مسارا سُجن فيه كل المرشحين قبل أن يفتح الصندوق للاقتراع!
لم نكن نرجو أن يصبح الدفاع عن المهنة الصحفية بشكل غاضب واحتجاجي وحضوري في المحاكم والندوات الصحفية جزءً يومياً يجتزء من أيامنا وجهدنا ويكون شرطا كريماً لممارستها ! وإلا لأصبحنا مجرد كتبة عموميين ومنفذي تعليمات أو متلقي أجور دون استحقاق…
لا نستطيع أن نفعل سوى هذا، الدفاع عن ممارسة المهنة دفاع عن أنفسنا وعن حق الجمهور في تدفق المعلومات و الأفكار فنحن لا نقدرُ على العيش برؤوس منتكسة وبضمائر مؤجورة.
هنيئا أيضا لشيوخ التطبيل في المهنة بأماكن مدى الحياة في التلفزيون السوفياتي في كل الأزمنة .. ذلك الذي لم تر أعيننا فيه انتداباً شفافاً واحدا، ومجرد الحديث على دخوله من باب الشفافية تنهال عليك الشتاىم والسباب وكانك طلبت منهم مفتاح الكعبة لا انتدابا وتقييما لمن يتقاضى أجرا من المال العام مثله كمثل كل المؤسسات الإعلامية الحكومية.
هنيئا للأبواق العمل بأريحية شديدة زمن بن علي وزمن الانتفاضة المغدورة وهنيئا لهم بكل الكراسي في القنوات الدكاكينية ثم التلفزيون السوفياتي من جديد زمن الاستبداد قيس سعيد…بعض الشيبات ضلت انتهازية مدى الحياة….
هنيئا لمن يتم انتخابه ممثلا للصحفيين ولا يعرف نوابه حتى اسمه ولا يملكُ صوتاً ولا موقفاً واحداً، ولا تراه بأي شكل زمن الزلازل والمحن التي عصفت بالمهنة وممتهنيها.
نحنُ لا نتهكم على أحد نحن بالعكس نغبط هؤلاء على قدرتهم الخارقة للعادة في التواجد وسط الخراب! والرقص على جثث مثل الحرية والكرامة والتعددية والاختلاف والجودة والأخبار الصحيحة، أسس أي مشهد إعلامي في ظل نظام ديمقراطي، سيما الذين يجلسونَ قلت على نفس المقاعد في كل الأزمنة حتى نبيل القروي قيل فيه نفس الشعر يا سيدي الرئيس قيس سعيد الذي يقال لك اليوم عبر الإعلام الحكومي من شيوخ التطبيل الذين كانوا أجراء لديه في قناته نسمة قبل انتخابك في 2019 وفي مختلف دكاكين العطارة والتلفزيون “السوفياتي”.
هنيئا لشعبنا العظيم بإعلام قنوات “الشلايك والطناجر. السناطيع” وما سبق هو حقا مرآة لما يريده شعبنا كما أراد قيس سعيد بالضبط.
اما نحن فإما السجون أو التهجير القسري ومعهما هدية هتك العرض والسحل وتركيب الصور والتحريض على أن كل صحفي يفكر ويكتب عكس تيار السلطة هو عميل وخائن! لكن رغم ذلك اخترنا أنفسنا ..اخترنا حرية ..ضمائرنا …وكرامتنا ايا كانت التكاليف.
كل هذا لا يساوي شيئاً…من المهم أن يستفيق المرء كل صباح راض لا خسيس يخجل من أن يتواجه مع المرآة.




