
تقرير: خولة بوكريم — توميديا
مدة القراءة ⏱️ 4 دقائق
61.3 مليون يورو قرضاً أوروبياً لمحطة طاقة شمسية في سيدي بوزيد، هذا ما أعلنته بعثة الاتحاد الأوروبي في تونس مساء الخميس 18 جوان 2026، في صفقة تجمع البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير وبنك الاستثمار الأوروبي مع المشروع المشترك Scatec-Aeolus لإنشاء محطة فولتضوئية بقدرة 100 ميغاواط.
من هي Scatec-Aeolus؟
هي شركة نرويجية رائدة في مجال الطاقة المتجددة، فيما Aeolus فرع من المجموعة اليابانية العملاقة Toyota Tsusho Group. تمتلك Scatec 51% من المشروع مقابل 49% لـ Aeolus، وقد حصلت على عقود شراء كهرباء لمدة 20 سنة مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز STEG. ويُعدّ هذا المشروع الثالث من نوعه الذي تنفذه Scatec في تونس.

يُضاف إلى القرض منحة لا تُردّ قيمتها 5.5 مليون يورو لتمويل البنية التحتية لنقل الكهرباء، فضلاً عن ضمانات مالية في إطار صندوق FEDD+ الذي تبلغ طاقته الإجمالية 39.8 مليار يورو للفترة 2021-2027.
وتندرج هذه الصفقة ضمن استراتيجية “البوابة العالمية” للاتحاد الأوروبي، في إطار برنامج أوسع بقيمة 35.8 مليون يورو لدعم الطاقات المتجددة في تونس.
من يبني ومن يموّل؟
تستهدف المحطة إنتاج 252 غيغاواط/ساعة سنوياً، مع تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدل 107 ألف طن سنوياً. ويندرج المشروع في أفق الهدف الوطني التونسي الرامي إلى بلوغ 35% من الطاقات المتجددة بحلول 2030.
ومنذ 2012، استثمر البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير أكثر من 3 مليارات يورو في 90 مشروعاً بتونس، ودعم قرابة 2000 مؤسسة صغيرة ومتوسطة. رقم يستدعي وقفة: بعد كل هذه الاستثمارات، ما الذي تغيّر فعلاً في الواقع التنموي التونسي؟
السفير الأوروبي في تونس جوزيبي بيروني قال في تصريحه المنشور في فحوى البلاغ ذاته إن:
الاتحاد الأوروبي يتحرك بشكل ملموس في قطاع الطاقات المتجددة لتعزيز الأمن الطاقي لتونس ودعم إزالة الكربون”، في إطار مذكرة التفاهم الأوروبية التونسية الموقعة في جوان 2024.

وفي السياق ذاته، أشاد هاري بويد-كاربنتر، المدير الأول للبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، بما وصفه بـ”التعبئة الاستثنائية لفريق أوروبا”، مؤكداً أن المشروع يُجسّد إمكانية تطوير طاقة نظيفة بتكلفة منخفضة في تونس، ومُثنياً على “الجهود الحثيثة للحكومة التونسية في مسار الإصلاح الطاقي.”
من جهته أفاد يوانيس تساكيريس، نائب رئيس بنك الاستثمار الأوروبي بأن:
هذا المشروع خطوة مهمة في دعم جهود تونس لتزويد مواطنيها بطاقة ميسورة التكلفة وموثوقة ومستدامة، وفق الأهداف الوطنية للبلاد.
ومن خلال ذراعه الدولية “بنك الاستثمار الأوروبي للعالم”
كما أكد تساكيريس أن البنك، من خلال ذراعه الدولية BEI Monde “بنك الاستثمار الأوروبي للعالم”، يعمل مع شركائه على تسريع الاستثمارات في الطاقات المتجددة وتعزيز البنية التحتية نحو منظومة طاقية أكثر أماناً وصموداً.
فرصة أم صفقة؟
تصريحات تبدو متناغمة ومطمئنة غير أن السؤال الجوهري يبقى معلقاً: من يستفيد أكثر؟ شركة نرويجية وأخرى يابانية تحصلان على عقد 20 سنة لبيع الكهرباء لدولة تسدّد القرض من المال العام بينما يُحصّل الجانب الأوروبي صورة المموّل الأخضر الكريم في منطقة يحتاج إليها سياسياً واقتصادياً.
من الوهلة الأولى ما يُحسب للمشروع اختيار سيدي بوزيد موقعاً ليس تفصيلاً عابراً المنطقة التي انطلقت منها شرارة ثورة 2010 والتي تظل من أكثر الجهات تهميشاً. كما أن تقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي ضرورة استراتيجية حقيقية لتونس.

ويتضمن المشروع برنامج تكوين تقني يشمل أنشطة تحسيسية في منطقتَي خبنة ومزونة حول العنف والتحرش القائم على النوع الاجتماعي، بهدف تشجيع مشاركة المرأة في قطاع الطاقة. التوجه إيجابي على الورق لكن يبقى السؤال: هل هو التزام هيكلي حقيقي أم بند تجميلي لإضفاء الطابع الاجتماعي على صفقة استثمارية؟
لكن على الرغم من هذه الإيجابية التي يمكن مبدئيا ظهورها على الورق تطرح من ناحية أخرى علامات استفهام لا يمكن تجاهلها، حيث أن المستفيد المباشر من القرض ليس الدولة التونسية بل شركتان أجنبيتان — نرويجية ويابانية — ستبنيان المحطة وتشغّلانها وتبيعان كهرباءها للدولة التونسية وفق عقد امتياز يمتد 20 سنة. أي أن الأرباح ستتجه نحو الخارج فيما يبقى المواطن التونسي مدفوعَ الفاتورة.
والقرض يُسدَّد لاحقاً من عائدات بيع الكهرباء للدولة أي من المال العام. فضلاً عن غياب أي إشارة واضحة إلى نسب التوظيف المحلي أو انخراط الكفاءات التونسية في إدارة المشروع على المدى البعيد.
المشروع يبدو مفيد تقنياً وبيئياً وقد يلبّي حاجة طاقية حقيقية. لكنه يظل في منطق “تونس سوق” لا “تونس شريك”. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً بل هو جوهر أي سياسة طاقية سيادية.
اتصاليا اللافت في البلاغ الرسمي لبعثة الاتحاد الأوروبي لتونس غياب أي تصريح من الجانب التونسي لا من الحكومة ولا من الشركة التونسية للكهرباء والغاز STEG في صفقة تمس مباشرة السيادة الطاقية للبلاد وجيب المواطن.
ختاما السؤال الذي يبقى مطروحاً: بعد 3 مليارات يورو و90 مشروعاً منذ 2012 متى تصبح تونس شريكاً في إنتاج طاقتها لا مجرد موقع لاستثمارات الآخرين؟




