من يرهبُ القضاة في #تونس … يسرقُ دولة بأكملها
بقلم خولة بوكريم
ليت شعبي، وبعض نخبه، يناقشون صرخة القضاة وما تبقّى من شجعان بينهم بدل الانشغال بكلمةٍ عابرة في مشهدٍ إعلاميّ منهار أصلًا، جل مؤسساته مفلسة ولا يشتغل فيها سوى مالكها أو ابواق للمالك للمستبد، وأخرى لا علاقة للعاملين فيها بأخلاقياتها، وما تبقى من الصحفيين المحترفين إما في خانة المعطلين قسرا عن العمل بالتجميد والمهمات التافهة أو المستسلمين لمشاهدة هذا الانهيار لا حول لهم ولا قوة، وقلة تقاوم كل يوم بأظافرها وألسنتها حتى وهي ترى باب السجن قد يفتح في أي لحظة.
ليت الألمُ يُستفَزّ المتكلمين في الهوامش، حين يُداس على استقلالية القضاء، أيضا حين يُعزل القضاة ظلمًا، حين تتسلّل التعليمات إلى قاعات المحاكم، وحين يُخَوَّف القضاة داخل مؤسساتهم نفسها.
للمرّة الألف، تُطلق جمعية القضاة التونسيين صرخةً لإنقاذ القضاء…قبل مذبحة العزل وبعدها وقبل الانقلاب وبعده
ولا من مجيب. نناقش الهامش ونترك الجوهر. نُضخّم زلّة لفظ و هو غير لائق، لكن نتجاهل انهيار ميزان العدالة الذي به نعيش من المفترض في ظل دولة لا غابة ولا عصابة.
ما يحدث اليوم ليس تفصيلًا عابرًا، بل مسارٌ كامل من التعدّي على الحريات، والاستيلاء على السلطات، وتطويع القضاء. والأخطر… أن يتمّ ذلك بأيدٍ قضائية ملوّثة.
ماذا بقي أكثر، بعد أن يخرج القضاة المباشرون أنفسهم ليصرخوا… لا من أجل حكمٍ أو ملف، بل من أجل إنقاذ ما تبقّى من العدالة؟
ماذا بقي، حين يُستهدف رجل مثل أنس حمّادي، رئيس جمعيتهم، الذي لم يعتبر العمل النقابي فسحةً ولا ترفًا،
ولا نضالًا آمنًا في صمت، كغيره،.بل التزامًا حتى آخر لحظة بالدفاع عن زملائه… وعنّا؟ في أصعب فترة من تاريخ البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا!
لم يتراجع خطوة وقال هنا ظلم ..هنا لا عدالة …هذا قضاء السلطان ونحن تحررنا من 2011
نُكِّل به، شُوّهت سمعته، وفُتحت ضدّه القضايا، وعاش ثلاث سنوات إلى حد الآن بين السنة لهب تفقدية وزارة العدل والتتبعات الكيدية وصفحات النظام المؤجورة، لا لشيء، إلا لأنه اختار أن يدافع، لا عن القضاة فقط، بل عن حقّنا، نحن التونسيات والتونسيين، في قضاء مستقل.
فما الذي يجب أن يهزّ الناس أكثر من هذا؟ أن يصبح من يُفترض أنهم يأتوننا بحقوقنا… خائفين؟ ملاحقين؟ مُرهَبين؟
تحت سطوة التجويع والعزل، أو الغرق في دموع الظلم…
النظام الحاكم اليوم بقيادة قيس سعيد يشجع على الرشوة والفساد. وضياع حقوق المتقاضين والمحاكمات الجائرة وانتهاك قرينة البراءة ثم يدعي رأسه-اي النظام – أنه يحارب في الفساد.
كيف نستطيع إيصال فكرة أن الدفاع عن استقلالية القضاء لا يعني فقط النضال من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، بل هو دفاع عن كلّ مواطن في يوميّاته،
في نزاعه البسيط، في قضيته التي لا يعرفها أحد ولا يتابعها إعلام. هو دفاع عن حقّ الناس في عدالةٍ لا تُدار بالتعليمات، ولا تُوزن بالخوف. حين يصبح القاضي خائفًا…تصبح كلّ القضايا مهدّدة، وكلّ الحقوق قابلة للضياع.
فالقضاء الذي تُسيّره الأوامر، لا يُنصفُ أحدًا.




