تونس تشهد اليوم تحركات تضامنية واسعة مع الصحفي مراد الزغيدي وسجناء الرأي الآخرين، في إطار يوم مخصص لدعم حرية التعبير والدفاع عن الحقوق الأساسية. هذا اليوم جاء ليؤكد أن قضية مراد ليست مجرد مسألة فردية، بل رمز لمعركة أوسع تتعلق بحرية الإعلام وحقوق الإنسان في تونس.
في هذا السياق، شدّد بسام الطريفي، رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، على أنّ تزايد الإيقافات التي طالت نشطاء وصحفيين وشخصيات سياسية يطرح تساؤلات جدية حول واقع حرية التعبير في البلاد. وبيّن أن توجيه تهم مالية أو جزائية لا يخفي في كثير من الحالات الخلفية السياسية لهذه القضايا.
وأضاف الطريفي أن الدفاع عن الحقوق والحريات ليس موقفًا ظرفيًا، بل التزام مبدئي، مؤكداً أن المكاسب التي تحققت بعد الثورة لا يمكن التفريط فيها، وأن احترام الضمانات القانونية للموقوفين ومحاكمات عادلة وشفافة هو السبيل لبناء دولة القانون.
الجدل حول حرية الصحافة ظهر بوضوح في قضية مراد، الذي تم توقيفه على خلفية تدوينة اعتبرها المتابعون عادية، وأُضيفت إليها تهم “تبييض الأموال”، في ما يراه كثيرون محاولة لإضفاء صبغة قانونية على قضية ذات خلفية سياسية.
من جهته نقيب الصحفيين زياد دبار وصف الأمر بأنه قضية سياسية بامتياز، هدفها إسكات الأصوات المستقلة وإرسال رسالة ردع للصحفيين الآخرين. رغم ذلك، يبقى مراد مصدر إلهام لزملائه من داخل السجن، حيث نقل رسالة صمود مقتضبة: “تعبونا واستنزفونا… لكن هانت”، كتعزيز للقوة المعنوية في مواجهة الضغوط.
أما الإعلامي فتحي المولدي فقد استعاد علاقته الطويلة مع مراد منذ التسعينات، واصفًا إياه بـ”مراد الإنسان”، الذي شاركه تفاصيل العمل اليومي والزمالة خارج الاستوديو وحتى خلال إقامته في فرنسا.
ويشير المولدي إلى أن القضية التي وُجهت له، والمتعلقة بتبييض الأموال، تعكس انتقائية في تطبيق القانون، حيث لو طُبقت على الجميع، لكان نصف الشعب في السجن.
كما أكد أن ايقاف مراد شكّل صدمة للوسط الإعلامي وأدى إلى تراجع بعض الصحفيين عن حضورهم النقدي، لكنه يبقى رمزاً من رموز حرية الإعلام والكلمة الحرة.
الصحفي الياس الغربي من جهته شدّد على أن الحرية والديمقراطية ليست شعارات فقط، بل أسلوب حياة ومسار نضالي يتطلب التزاماً يوميًا وشجاعة مستمرة، مشيراً إلى دور الصحفي في نقل الحقيقة وإعطاء معنى للمدينة وتحسين الحياة العامة من خلال تسليط الضوء على القضايا الحقيقية.
على المستوى الدولي، يتواصل التنسيق الذي تقوده منظمة مراسلون بلا حدود بالتعاون مع عائلة مراد وعدد من الصحفيين داخل تونس وخارجها، بهدف الضغط لإطلاق سراحه وتسليط الضوء على قضيته.
وأوضح أسامة بوعجيلة أن القضية تحمل أبعادًا سياسية، وأن التضامن الدولي لا يقتصر على الدعم الحقوقي، بل يشمل تعبئة إعلامية واسعة، مؤكداً أن القضية ليست فقط عن فرد، بل عن صورة الصحافة المستقلة في تونس وحماية الحق في الإعلام المهني.
من جهتها مريم الزغيدي، شقيقة مراد، عبّرت عن ألمها العميق نتيجة استمرار اعتقال شقيقها، معتبرة أنّ ما يحدث ليس مجرد سجن فردي، بل عقوبة جماعية تطال العائلة.
وأضافت أن العائلة قامت بـ98 زيارة للسجن، لكن الوقت الفعلي للتواصل لم يتجاوز 24 ساعة ونصف، في ظروف وصفتها بـ”غير الإنسانية”.
وقالت مريم: “النظام يخاف من الكلمة، يخاف من الصحافة، لكن الحقيقة لا تموت”، مؤكدة أن صمود العائلة يمثل مصدر قوة وأمل، وأن النضال سيستمر حتى إطلاق سراح مراد وكل سجناء الرأي.
التحركات التضامنية والوقفات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد تعكس مفترق طرق تعيشه تونس بين الحفاظ على مكتسبات الثورة وضمان الاستقرار. الحقوقيون يؤكدون أنه لا تعارض بين الاثنين، وأن احترام الحقوق والحريات هو السبيل الحقيقي لبناء دولة القانون.
اليوم التضامني مع سجناء الرأي، وعلى رأسهم مراد الزغيدي، هو مناسبة لتجديد الالتزام الجماعي بحرية التعبير والدفاع عن الحق في الإعلام المستقل، وللتأكيد على أن الحرية لا تُؤخذ بل تُنتزع، وأن كل يوم من النضال يقرّب من العدالة المنشودة.




