على الجزائر و “TRANSMED” أن تعلما: تونس ليست مجرد ممر… بل ورقة تفاوض
لم يعد الوقت وقت الاكتفاء بالدور الهامشي. ففي سوق طاقة مضطرب عالميًا، تمتلك تونس ورقة استراتيجية لا يمكن للجزائر تجاهلها.

بقلم: د.غازي بن أحمد
رئيس مركز دراسات “المبادرة المتوسطية للتنمية” MDI
زمن القراءة⏱️ دقيقتين
تحصل تونس على عائد عبور (نقدًا أو على شكل غاز) قُدّر في السنوات الأخيرة بين 400 و600 مليون دولار سنويًا (حوالي 5.25% من الغاز المنقول). ومع ناتج محلي إجمالي يقارب 59 مليار دولار سنة 2025، يمثل ذلك نحو 0.7% إلى 1% من الناتج. وهو مورد مهم يساعد في تغطية جزء من احتياجات الطاقة لدى الشركة التونسية للكهرباء والغاز والمالية العمومية، لكنه ليس حيويًا للاقتصاد التونسي. فتونـس في موقع المستفيد السلبي: تنتفع من مرور الغاز دون أن تعتمد عليه بشكل وجودي.
في المقابل، تعتمد الجزائر بشكل أكبر بكثير على هذا الخط. فالغاز يمثل عماد اقتصادها (أكثر من 90% من قيمة صادراتها). وينقل خط TransMed جزءًا مهمًا من صادراتها نحو إيطاليا (حوالي 20 إلى 21 مليار متر مكعب في 2024-2025، أي ما يقارب 30% إلى 32% من واردات إيطاليا من الغاز). وأي توقف أو تقليص كبير في التدفقات سيكلفها مليارات الدولارات سنويًا من عائدات مفقودة، وسيعقّد التحول نحو الغاز الطبيعي المسال الأكثر كلفة. لذلك يُعد هذا الخط استراتيجيًا، بل شبه حيوي للحفاظ على صادراتها نحو أهم زبون أوروبي.
أما مشروع GALSI (خط غاز مباشر بين الجزائر وسردينيا وإيطاليا)، فيُطرح غالبًا كبديل لتجاوز تونس، لكنه يظل ضعيف المصداقية على المدى القريب والمتوسط: فهو مكلف جدًا (عدة مليارات يورو)، معقد تقنيًا (بسبب المسار البحري العميق)، ويتطلب وقتًا طويلًا للبناء وتحقيق الجدوى، إضافة إلى أن طاقته أقل بكثير من TransMed. كما أنه لم يُنجز رغم طرحه منذ أكثر من 15 سنة.
الخلاصة: من يحتاج إلى من؟
التوازن غير متكافئ: إذا كانت تونس تستفيد من ريع مريح، فإن الجزائر تربط جزءًا كبيرًا من استقرارها المالي باستمرار تدفق الغاز عبر TransMed. بالنسبة لتونس، الخط يمثل مكسبًا ماليًا إضافيًا؛ أما بالنسبة للجزائر، فهو شريان حيوي نحو أوروبا. وهذا الواقع يمنح تونس فرصة تاريخية لإعادة التفاوض حول رسوم العبور.
الاستراتيجية المقترحة
لم يعد الوقت وقت الاكتفاء بالدور الهامشي. ففي سوق طاقة مضطرب عالميًا، تمتلك تونس ورقة استراتيجية لا يمكن للجزائر تجاهلها.
ينبغي لتونس أن تنتقل من موقع المتفرج إلى المطالبة برفع نسبة العبور إلى 7%، بما يعكس القيمة الحقيقية لمرور الغاز عبر أراضيها.
كما يمكنها التفاوض على كميات إضافية من الغاز تتراوح بين 500 مليون ومليار متر مكعب سنويًا بأسعار تفضيلية، أو عبر اقتطاع مباشر من التدفق.
لماذا؟
لأن هذه الكمية يمكن أن تغطي ما بين 15% و20% من الاستهلاك الوطني، مما يخفف بشكل كبير من فاتورة واردات الطاقة ويحمي البلاد من انقطاعات الكهرباء.
وفي المقابل، قد يكون من مصلحة الجزائر تحمل هذه الكلفة الإضافية بدل المخاطرة بخسائر ضخمة في الصادرات أو الانخراط في مشروع GALSI المكلف وغير المضمون.




