من خطاب قيس سعيد إلى قاعة المحكمة: كيف صُنعت قضية المهاجرين في تونس؟
"لم تعد الهجرة في تونس مجرد واقع يُدار، بل أزمة تُصنع ويُعاد إنتاجها."

بقلم خولة بوكريم
مدة القراءة ⏱️ 7 دقائق
في تونس اليوم، لم تعد الهجرة مجرد ملف اجتماعي أو أمني، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس تحوّلات أعمق في الخطاب السياسي والقضائي. ففي 19 مارس 2026، صدر حكم بالسجن لمدة ثماني سنوات بحق الناشطة سعدية مصباح، رئيسة جمعية “منامتي”، على خلفية اتهامات تتعلق بتبييض الأموال والإثراء غير المشروع.
ورغم الطابع القضائي للحكم الذي حاول النظام إبعاده عن سياقه وتغليفه بجريمة حق عام، إلا أن توقيته وسياقه يطرحان تساؤلات أوسع: هل نحن أمام قضية قانونية معزولة، أم نتيجة مسار سياسي وإعلامي مهّد تدريجيًا لتجريم فئات معينة، ومن يدافع عنه.
من خطاب 21 فيفري إلى تعبئة الرأي العام
في 27 فيفري 2023، ألقى الرئيس قيس سعيد خطابًا أثار جدلًا واسعًا، تحدث فيه عن وجود “ترتيب إجرامي” لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس عبر الهجرة غير النظامية من دول أفريقيا جنوب الصحراء. لم يكن هذا الخطاب مجرد موقف سياسي عابر، بل شكّل نقطة تحول حاسمة في اللغة الرسمية، حيث انتقل ملف الهجرة من كونه قضية اجتماعية-اقتصادية معقدة إلى مسألة أمن وهوية.
وقد أثار هذا الخطاب انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ونشطاء، الذين حذّروا من تداعياته على تصاعد الكراهية والتمييز. كما شهدت العاصمة تونس في 27 فيفري 2023 مظاهرة نظمتها منظمات من بينها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بمشاركة نشطاء ومواطنين، للتنديد بالخطاب والدعوة إلى احترام حقوق مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء. وقد رُفعت خلال التحرك شعارات مناهضة للعنصرية، من بينها: “لا للعنصرية”، و“تونس أرض للجميع”، و“الكرامة لا لون لها”.

ومنذ ذلك الحين، تغيّر النقاش العام بشكل واضح، حيث أصبحت مفردات الخطر والتهديد جزءًا من الخطاب السائد، وتراجعت المقاربات الحقوقية لصالح سرديات تقوم على التخويف.
لم يبق الخطاب في حدوده السياسية، بل سرعان ما وجد صداه في الإعلام ومواقع التواصل، حيث برزت أصوات قدّمت نفسها كناقلة لمعاناة السكان المحليين، لكنها ساهمت فعليًا في تعميم صورة نمطية عن المهاجرين باعتبارهم مصدرًا للفوضى والعنف.
من بين هذه الأصوات، ظهرت المحامية المعروفة بحملات تحريضها وثلبها المعارضين لقيس سعيد وفاء الشاذلي، التي نشرت بشكل متكرر صورًا ومقاطع من مدينة صفاقس، تُظهر تجمعات مهاجرين في خيم، مرفقة بنداءات متكررة لرئيس الجمهورية للتدخل. وقدّمت هذه المحتويات واقعًا مجتزأً يركّز على مظاهر الفوضى دون سياقها، ما ساهم في تأجيج الرأي العام وتكريس صورة المهاجر كتهديد مباشر.

وفي هذا السياق، لم يقتصر الخطاب على الفاعلين السياسيين أو بعض المنصات الإعلامية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي والثقافي، حيث انتشرت على صفحات مساندة للرئيس قيس سعيد تسميات ذات طابع تمييزي مثل عبارة “الأجاصيين”، التي استُخدمت للإشارة إلى مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء في سياق ساخر أو تحقيري، بما يعكس انتقالًا من خطاب سياسي إلى لغة يومية تُطبع مع التمييز وتعيد إنتاجه.
ولم يقف الأمر عند الفضاء الافتراضي، بل تسلّل أيضًا إلى المجال الثقافي، حيث أثارت تصريحات للفنانة لطيفة، خلال حفل أحيته في مهرجان طبرقة الدولي في جويلية 2024، جدلًا واسعًا، بعد قولها إن “تونس ملك للتونسيين فقط” في سياق حديثها عن المهاجرين غير النظاميين . وقد اعتُبرت هذه التصريحات من قبل منتقديها ذات طابع إقصائي، خاصة وأنها صدرت عن شخصية عامة، بما يساهم في توسيع دائرة تداول خطاب يرفض وجود المهاجرين ويمنحه شرعية رمزية خارج المجال السياسي.
صفاقس بين الجغرافيا والسياسات الدولية
تُعدّ صفاقس نقطة محورية في هذا الملف، فهي مدينة اقتصادية كبرى وأقرب نقطة ساحلية نحو أوروبا، كما أنها محطة عبور رئيسية للمهاجرين القادمين عبر الجزائر. هذا الموقع الجغرافي جعلها في قلب الأزمة، لكنه ساهم أيضًا في تبسيطها واختزالها في بعدها الأمني المحلي، بدل التعامل معها كجزء من مسار إقليمي ودولي معقد.
ولا يمكن فهم تصاعد التوتر دون التوقف عند الاتفاقيات التي أبرمتها تونس مع شركائها الأوروبيين، خاصة إيطاليا وهولندا، وبدعم من الاتحاد الأوروبي. ففي جويلية 2023، وقّعت تونس مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي، ركّزت على الحد من الهجرة غير النظامية مقابل دعم مالي واقتصادي، في إطار مقاربة تقوم على نقل إدارة الحدود إلى دول العبور.
كما سبقت ذلك تفاهمات ثنائية مع إيطاليا خلال عام 2023 لتعزيز الرقابة على السواحل التونسية والحد من انطلاق قوارب الهجرة، بدعم سياسي ومالي من شركاء أوروبيين من بينهم هولندا. هذه السياسات، وإن هدفت إلى تقليص الهجرة نحو أوروبا، أدت عمليًا إلى نتيجة معاكسة داخل تونس، حيث تحوّلت البلاد من نقطة عبور إلى فضاء احتجاز، وتزايدت أعداد المهاجرين العالقين دون أفق واضح.

في موازاة ذلك، تشير تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش إلى ممارسات مقلقة على الحدود التونسية-الجزائرية، حيث تم تسجيل حالات إعادة مهاجرين إلى المناطق الحدودية وتركهم في ظروف قاسية في الصحراء. هذه الممارسات، إن تأكدت بشكل ممنهج، لا تطرح فقط إشكاليات قانونية، بل تُسهم أيضًا في إعادة إنتاج الأزمة داخل تونس عبر دفع مزيد من المهاجرين إلى نفس المسارات الهشة.
مفارقة الخطاب والسياسة… ومصير سعدية مصباح
تبدو المفارقة صارخة في هذا السياق: فبينما يحذّر الخطاب الرسمي وأنصاره من “تدفق” المهاجرين، تقوم الدولة نفسها بتقييد حركتهم نحو أوروبا، ما يجعلهم عالقين بين حدود مغلقة وخطاب رافض، ويحوّل الأزمة إلى حالة احتقان دائم.
ضمن هذا المناخ، تبرز قضية سعدية مصباح كمفارقة لافتة. فهي، بصفتها رئيسة جمعية “منامتي”، كرّست سنوات من العمل لمناهضة العنصرية والدفاع عن حقوق التونسيين السود ومهاجري أفريقيا جنوب الصحراء، وأسهمت في فتح نقاش عام حول التمييز في تونس.
لكنها تجد نفسها اليوم في موقع المتهمة، في وقت يتصاعد فيه الخطاب العدائي تجاه نفس الفئات التي دافعت عنها. هذه المفارقة لا تتعلق بشخصها فقط، بل تعكس تحوّلًا أعمق في المشهد العام، حيث يصبح الدفاع عن الحقوق نفسه محل مساءلة.

ولا تبدو قضيتها معزولة، إذ سبقتها ملاحقات طالت نشطاء آخرين مرتبطين بملف الهجرة واللجوء، من بينهم شريفة الرياحي وعياض بوسالمي وعبد الله سعيد، في قضايا أثارت جدلًا واسعًا نظرًا لارتباطها بنشاطهم في مساعدة المهاجرين أو العمل على ملفات اللجوء. ويكشف ذلك عن نمط يتكرر، حيث يجد فاعلون مدنيون أنفسهم في مواجهة القضاء على خلفية أنشطة مرتبطة بالهجرة، ما يطرح تساؤلات حول المسافة بين العمل الإنساني والمساءلة القانونية، وحول طبيعة المناخ الذي أصبح يحيط بهذا الملف.
في هذا السياق، لا يبدو الحكم على سعدية مصباح مجرد قضية قانونية، بل جزءًا من مشهد تتداخل فيه السياسة والإعلام والقضاء، وعلاقات تونس الدولية والتزاماتها تجاه الاتفاقيات التي وقعتها المتعلقة باحترام حقوق الإنسان.
ويزداد هذا التعقيد مع طبيعة التهم الموجهة، ذات الطابع المالي، مثل تبييض الأموال والإثراء غير المشروع، في قضايا ترتبط أساسًا بنشاط حقوقي أو إنساني. ويرى منتقدون أن هذا التوجه قد يساهم في إعادة تأطير القضية ونزع بعدها الحقوقي، عبر نقلها من مجال الدفاع عن المهاجرين إلى مجال الشبهات المالية.
ولا تبدو هذه المقاربة معزولة، إذ تكررت في قضايا طالت صحفيين ونشطاء، ما يعيد طرح مسألة العلاقة بين القضاء والسياق السياسي، خاصة في ظل التصور الذي عبّر عنه الرئيس قيس سعيد باعتبار أن “القضاء وظيفة لا سلطة”. وفي هذا الإطار، يصبح القضاء جزءًا من إدارة المجال العام، بما في ذلك ملف الهجرة، وليس فقط سلطة مستقلة للفصل في النزاعات.
وفي هذا السياق الأوسع، تطرح السياسات المعتمدة في إدارة ملف الهجرة، وخاصة الاتفاقيات المبرمة مع إيطاليا، تساؤلات متزايدة حول جدواها، في ظل مؤشرات متراكمة على اختلال في توازن المصالح. فبعد سنوات من التعاون الأمني وتشديد الرقابة على السواحل، لا تبدو النتائج متناسبة مع الكلفة التي تتحملها البلاد، ما يفتح سؤالًا مباشرًا حول ما إذا كانت تونس قد استفادت فعليًا، لوجستيًا وماليًا، من هذه الاتفاقيات، أم وجدت نفسها تؤدي دور الحارس لحدود أوروبا دون مقابل واضح ينعكس على أوضاعها الداخلية.
وتزداد هذه المؤشرات وضوحًا عند النظر إلى التداخل الإقليمي، خاصة في العلاقة مع الجزائر، حيث تتقاطع مسارات الهجرة مع اعتبارات أمنية وسياسية معقدة. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل إضافي حول ما إذا كانت تونس قد أصبحت جزءًا من ترتيبات غير معلنة لإدارة تدفقات الهجرة، بما يجعلها عمليًا فضاءً لاستبقاء المهاجرين بدل تنظيم عبورهم.
وتتعمّق المفارقة حين يُقارن هذا الواقع بالخطاب الرسمي الذي يعبّر عن القلق من تزايد أعداد المهاجرين، في وقت تساهم فيه السياسات المعتمدة، عمليًا، في إبقائهم داخل البلاد. فحين يُمنع العبور شمالًا دون توفير بدائل قانونية، تصبح النتيجة الحتمية هي تكدّس المهاجرين في نقاط العبور، وتحول مدن الجنوب والساحل إلى فضاءات انتظار مفتوحة. وهنا، لا يعود السؤال عن وجود المهاجرين في حد ذاته، بل عن السياسات التي ساهمت في تكريسه.
إن ما يحدث في تونس اليوم يتجاوز ملف الهجرة، ليكشف عن تحوّل أعمق في طبيعة المرحلة بقيادة قيس سعيد وتحالفاته الخارجية المحدودة، حيث تتشابك السياسات الداخلية مع الترتيبات الإقليمية والدولية، وتنعكس آثارها مباشرة على المجال الحقوقي.
فحين تتحول الهجرة إلى قضية هوية، ويُعاد إنتاجها ضمن سياسات تُقيّد الحركة وتُبقي المهاجرين داخل البلاد، يصبح التناقض بين الخطاب والممارسة أكثر وضوحًا. وفي هذا السياق، لا يعود الجدل مقتصرًا على وجود المهاجرين، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذا الوجود، ومن يدفع ثمنه.
وتكتمل هذه المفارقة حين يصبح من يدافع عن المهاجرين، أو يشتغل على قضاياهم، محل مساءلة، في وقت تُساهم فيه السياسات نفسها في تكريس الواقع الذي يُدان. هنا، لا يعود السؤال عن الهجرة فقط، بل عن موقع الحقوق والحريات في معادلة تتشابك فيها السياسة والقضاء والعلاقات الدولية.




