في لحظة تختلط فيها المشاعر بين الألم والفخر، وبين الانكسار والصمود، ارتفعت أصوات عائلات نشطاء أسطول الصمود المغاربي لتروي حكايات إنسانية موجعة، تعكس جانبًا عميقًا من الأزمة الاجتماعية والسياسية التي تعيشها تونس اليوم.
في تصريح مؤثر روت والدة الناشط غسان البوغديري قصة سنوات من التضحية، أفنت فيها عمرها لتربية ابنها على القيم: الصدق، الرجولة، حب الناس، والابتعاد عن كل ما هو حرام. حرمت نفسها من أبسط حقوقها، وجعلت من نجاحه مشروع حياتها، إلى أن أصبح مهندسًا تفتخر به.
لكن هذا الحلم انهار فجأة، لتجد نفسها أمام واقع قاسٍ، تقف فيه أمام السجن حاملة بطاقة زيارة بدل شهادة نجاح.
تساءلت الأم بصوت يختلط فيه الغضب بالحزن:كيف يمكن أن ينتهي شاب تربّى على الخير إلى هذا المصير؟
وأين يذهب تعب السنين حين تقف الأم عاجزة خلف القضبان، تنتظر رؤية ابنها لدقائق معدودة؟
ورغم الألم، لم تُخفِ فخرها بابنها، مؤكدة أنه لم يكن يومًا منحرفًا أو انتهازيًا، بل شابًا “بإنسانية مفرطة”، دفع ثمن مبادئه في واقع معقّد، وأنها لا تخجل منه بل تراه ضحية وضع أكبر منه، بل وتتمنى لو تستطيع أن تكون مكانه لتخفف عنه.
وفي السياق ذاته، عبّرت والدة الناشطة جواهر شنة عن قلقها العميق على ابنتها، مؤكدة أن ما يحدث يتجاوز كونه قضية قانونية أو سياسية ليصبح مسألة إنسانية بالدرجة الأولى. وأوضحت أن جواهر كرّست حياتها للعمل المدني والتضامن، خاصة في دعم غزة، ولم تسعَ يومًا إلى الإضرار بأي طرف أو تجاوز القانون.
ودعت إلى ضرورة التعامل مع القضية بروح منصفة، بعيدًا عن التأويلات التي قد تمسّ من سمعة ناشطين انخرطوا في أنشطة سلمية.
من جهته، عبّر هشام نوار عن “حرقة” عميقة لم تعد شعورًا فرديًا، بل انعكاسًا لحالة عامة يعيشها جزء واسع من التونسيين، خاصة الشباب. حرقة ناتجة عن تراكم الإحباط والإحساس بالظلم وانسداد الأفق، مؤكدًا أن ما يحدث اليوم هو تعبير عن أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والسلطة.
وفي عبارة مكثفة، قال: “لماذا لم يحرقوها؟ لأنهم محروقون نظريًا”، في إشارة إلى حالة القهر الداخلي التي لم تعد بحاجة إلى تعبير مادي. كما انتقد ما اعتبره تعاطيًا قمعيًا مع التحركات الاجتماعية، محذرًا من أن ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع الهوة بين الدولة والمجتمع.
ورغم ذلك، عبّر عن فخره بابنه وبكل الشباب الذين وصفهم بـ“المناضلين”.
مارسوا حقهم المشروع في التعبير، ومؤكدًا تمسّكه بالدولة مع رفضه لسياسات السلطة، في تمييز واضح بين حب الوطن وانتقاد الحكم.
بدوره، أكد السبتي الهنشيري، والد الناشط غسان الهنشيري، أن ابنه ورفاقه لم يرتكبوا أي خطأ سوى الدفاع عن القيم الإنسانية والعدالة، مشيرًا إلى أنه نشأ في بيت غرس فيه الصدق والكرامة، واختار منذ صغره أن يكون صوتًا للمظلومين، خاصة في القضية الفلسطينية.
وأضاف أن ما تعرّض له ابنه، من اختطاف وظروف قاسية، لم يكن نتيجة خطأ شخصي، بل بسبب موقفه الإنساني والسياسي. واعتبر أن الخطأ الحقيقي يكمن في الصمت عن الظلم، لا في مقاومته.
كما شدد على أن هؤلاء الشباب يمثلون صورة مشرقة لتونس في المحافل الدولية، داعيًا الدولة والمجتمع المدني إلى التحرك من أجل إطلاق سراحهم، لأن القضية لم تعد فردية، بل أصبحت قضية مبدأ.




