épingléبورتريه

100 يوم من اعتقال أحمد نجيب الشابي…عندما يسجنُ الاستبداد تاريخًا من ذاكرة السياسة التونسية

مائة يوم يقضيها رجلٌ قضى أكثر من نصف قرن في السياسة والسجون والمحاكمات والمواجهات مع السلطة، من عهد الرئيس الحبيب بورقيبة إلى نظام زين العابدين بن علي، وصولًا إلى مرحلة ما بعد انقلاب 25 جويلية 2021.

بقلم خولة بوكريم 

⏱️ قراءة في 8 دقائق

مائة يوم مرّت على اعتقال المعارض التونسي أحمد نجيب الشابي، أحد أبرز وجوه المعارضة في تاريخ تونس الحديث.

مئة يوم يقضيها رجلٌ قضى أكثر من نصف قرن في السياسة والسجون والمحاكمات والمواجهات مع السلطة، من عهد الرئيس الحبيب بورقيبة إلى نظام زين العابدين بن علي، مرورا بالانتقال الديمقراطي المنعثر  بعد 2011 وصولًا إلى مرحلة ما بعد انقلاب 25 جويلية 2021.

المفارقة أن من يقف اليوم خلف قضبان السجن ليس رجلًا طارئًا على السياسة، بل أحد صانعي تاريخها المعارض، في حين أن من أمر بسجنه لا يملك في رصيده تاريخًا سياسيًا يُذكر قبل وصوله إلى قصر قرطاج.

الصورة لأحمد نجيب الشابي مباشرة بعد اعتقال القيادية بجبهة الخلاص شيماء عيسى وايام قليلة قبل اعتقاله-المكان مقر الحزب الجمهوري نوفمبر 2024
الصورة لأحمد نجيب الشابي مباشرة بعد اعتقال القيادية بجبهة الخلاص شيماء عيسى وايام قليلة قبل اعتقاله-المكان مقر الحزب الجمهوري توميديا-نوفمبر 2024
أحمد نجيب الشابي مواليد العاصمة في 30 جويلية 1944 تونس لعائلة ميسورة اجتماعيا، وكان والده المنحدر أصيل ولاية توزرن جنوب غرب تونس من مؤيدي صالح بن يوسف خصم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة.
في بداية مشواره درس في الحاضرة ثم سافر إلى فرنسا حيث درس الطب بالجامعة الفرنسية. إلا أنه قطع دراسته وعاد إلى البلاد حيث درس الحقوق ونال شهادة المحاماة.

“التآمر على أمن الدولة” سكين قيس سعيد للقضاء على المعارضة

في قضية ما عُرف بـ “التآمر على أمن الدولة” — التي سماها كثير من النشطاء لاحقًا “قضية التآمر على المعارضة” — وُضع الشابي في قلب ملف سياسي واسع شمل أيضًا عددًا من أبرز المعارضين، من بينهم المحامي عياشي الهمامي، والناشطة السياسية شيماء عيسى اللذان اعتقلا في نوفمبر 2024 بعد صدور أحكام تجاوزت عشر سنوات سجنا في المرحلة الاستئنافية، ورجل الأعمال خيام التركي، والقيادي السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي، إضافة إلى غازي الشواشي ورضا بالحاج وعصام الشابي شقيق احمد الشابي وجوهر بن مبارك، وغيرهم من الشخصيات السياسية والمدنية من الذين تم اعتقالهم على ذمة نفس القضية منذ فيفري 2023.

قبل اعتقاله، صعّد نجيب الشابي من انتقاداته لمسار الحكم بعد 25 جويلية 2021، معتبراً أن السلطة تسعى إلى تجريم المعارضة السياسية عبر القضاء.

وفي تصريح لموقع توميديا خلال إحدى الوقفات الاحتجاجية لجبهة الخلاص الوطني قبيل الانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2024 قال:

أقول للتونسيين إن المحنة ستطول… لكننا سنكشف للرأي العام زيف التهم في قضية التآمر.

كما أكد في أكثر من تصريح إعلامي أن المعارضة السلمية ليست جريمة وأن الدفاع عن الديمقراطية لا يمكن أن يتحول إلى تهمة.

ومنذ انطلاق أولى جلسات المحاكمة في ما عُرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”، اتخذ أحمد نجيب الشابي موقفًا واضحًا برفض المثول أمام المحكمة، معتبرًا أن القضية ذات طابع سياسي وأن القضاء الذي ينظر فيها لم يعد مستقلًا. ففي جلسة 4 مارس 2024، أعلن الشابي مقاطعته للمحاكمة، مؤكدًا عبر هيئة الدفاع عنه:

 ما يجري ليس محاكمة قضائية عادية بل محاكمة سياسية بقرار سياسي”، وأنه يرفض منحها أي شرعية بالحضور أمامها.

وفي تصريح نقلته هيئة الدفاع في ذلك الوقت، اعتبر الشابي أن “القضاء الذي يُحاكمنا اليوم لم يعد سلطة مستقلة بل أصبح جزءًا من الصراع السياسي”، مضيفًا أن التهم الموجهة للمعارضين في هذه القضية لا تستند إلى أفعال جنائية بل إلى مواقف سياسية معارضة للسلطة القائمة.

وتكرر موقف المقاطعة في جلسات لاحقة خلال سنة 2024، حيث تمسك الشابي، إلى جانب عدد من المتهمين المحبوسين وقتها في نفس القضية، بعدم حضور جلسات المحاكمة، وهم جوهر بن مبارك وعصام الشابي وعبد الحميد الجلاصي وخيام تركي ورضا بالحاج وغازي الشواشي معتبرين أن الملف برمته يندرج في سياق استخدام القضاء لإسكات المعارضة السياسية. وقد رأت هيئة الدفاع آنذاك أن قرار المقاطعة يهدف إلى فضح الطابع السياسي للقضية أمام الرأي العام، في حين أكد الشابي في أكثر من مناسبة أن ما يجري يمثل، في تقديره، “أخطر توظيف للقضاء في الصراع السياسي منذ الثورة”، وأن المحاكمة تفتقر إلى شروط العدالة والاستقلالية، معتبراً أن الملف قرار سياسي مغلف بغطاء قضائي هدفه إسكات المعارضة رغم مثوله  للتحقيق في البداية خلال جوان 2023 أمام القطب الوطني لمكافحة الإرهاب.

وفي لقاء خاص لتوميديا مصور قبيل تنفيذ قرار اعتقاله في 4 ديسمبر 2024 بساعات قال:

أنا ذاهب إلى السجن في هذا السن مطمئن لأن ضميري طاهر.

 

ويقضي أحمد نجيب الشابي اليوم حكمًا بالسجن لمدة عشر سنوات في قضية “التآمر على أمن الدولة”، ضمن ملف واسع شمل عددًا من أبرز المعارضين في تونس.

ويرى الشابي وهيئة الدفاع عنه أن هذا الحكم يندرج في سياق توظيف القضاء لإسكات الأصوات المعارضة في البلاد.

قيادة جبهة الخلاص: التحول السياسي الأكبر في مسيرة نجيب الشابي

بعد قرارات 25 جويلية 2021، كان الشابي من بين الشخصيات السياسية التي انخرطت في حراك “مواطنون ضد الانقلاب” الرافض لتركيز السلطة بيد الرئيس قيس سعيّد.

ومن رحم ذلك الحراك وُلدت لاحقًا جبهة الخلاص الوطني التي ترأسها الشابي، وضمت طيفًا واسعًا من الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة

.

غير أن هذا التحالف أثار جدلًا سياسيًا واسعًا، سيما أنه يقوم اساسا على انضمام حركة النهضة وائتلاف الكرامة إليه، وهو ما دفع بعض القوى التقدمية إلى انتقاد الشابي بشدة واتهامه بالتحالف مع خصومه السياسيين السابقين.

حتى أن بعض خصومه ذهبوا إلى القول إنه يتحرك بتأثير من راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان المنحل على يد قيس سعيد، وهي اتهامات كان الشابي يرد عليها دائمًا بالتأكيد أن الدفاع عن الديمقراطية يقتضي توحيد الجهود بين مختلف القوى السياسية.

وخلال قيادته للجبهة، اتخذت جبهة الخلاص مواقف واضحة رافضة للمسار السياسي الذي انطلق بعد 25 جويلية، معتبرة أن ما حدث يمثل انقلابًا على الدستور وعلى المؤسسات الديمقراطية. وقد دعت الجبهة في أكثر من مناسبة إلى العودة إلى المسار الدستوري وإطلاق حوار وطني شامل يعيد بناء الحياة السياسية على أسس ديمقراطية.

كما شهدت الجبهة تحولات مهمة بعد اعتقال راشد الغنوشي في أفريل 2023، حيث وجد الشابي نفسه في موقع الواجهة السياسية للجبهة، مستمرًا في الدفاع عن خطابها المعارض والدعوة إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.

وفي هذا السياق، دأبت جبهة الخلاص تحت قيادته على تنظيم وقفات احتجاجية دورية أمام المسرح البلدي بالعاصمة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ورفع القيود عن العمل السياسي.

-توميديا-وقفة احتجاجية لجبهة الخلاص الوطني المعارضة في سبتمبر 2024

ورغم تقدمه في السن وتجاوزه الثمانين عامًا، ظل نجيب الشابي حاضرًا في تلك الوقفات بانتظام، مشاركًا في قيادتها وإلقاء كلماتها، في مشهد اعتبره كثير من أنصاره دليلًا على استمرارية حضوره السياسي وإصراره على مواصلة الدفاع عن الحريات حتى في أكثر المراحل السياسية تعقيدًا.

نصف قرن في مواجهة السلطة

مع اعتقاله في ديسمبر 2024، يكون أحمد نجيب الشابي قد طوى فعليًا مسارًا سياسيًا امتد لنحو نصف قرن في صفوف المعارضة التونسية. مسار بدأ في ظل دولة الحزب الواحد في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، واستمر خلال سنوات حكم زين العابدين بن علي، قبل أن يجد الرجل نفسه اليوم مجددًا في مواجهة سلطة سياسية جديدة في عهد الرئيس قيس سعيّد.

وبذلك يصبح الشابي أحد القلائل في الحياة السياسية التونسية الذين امتد نشاطهم المعارض عبر ثلاث مراحل سياسية مختلفة من تاريخ البلاد: من الدولة البورقيبية إلى نظام بن علي، وصولًا إلى مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021.

يُعد أحمد نجيب الشابي، المحامي والسياسي التونسي، أحد أبرز رموز المعارضة في تونس منذ سبعينات القرن الماضي. فقد بدأ نشاطه السياسي في نهاية ستينات القرن العشرين داخل الحركة الطلابية، قبل أن يبرز خلال سبعينات القرن العشرين كأحد الأصوات المعارضة لسياسات الحزب الواحد في عهد الحبيب بورقيبة.

وفي سنة 1983 شارك أحمد نجيب الشابي في تأسيس الحزب الديمقراطي التقدمي الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز الأحزاب المعارضة في تونس، رافعًا منذ تأسيسه شعارات الديمقراطية التعددية ودولة القانون والحريات العامة.

وفي سنة 1984 أسس الشابي جريدة “الموقف” الناطقة باسم الحزب الديمقراطي التقدمي، والتي تحولت خلال سنوات حكم بن علي إلى أحد أبرز المنابر الإعلامية المعارضة في تونس. وقد نشرت الجريدة افتتاحيات وتقارير سياسية تنتقد القيود المفروضة على الحريات العامة وتدعو إلى التعددية السياسية واستقلال القضاء وحرية الصحافة، لتصبح لاحقًا أحد الأصوات الإعلامية القليلة التي عبّرت عن خطاب معارض داخل البلاد.

ومع وصول زين العابدين بن علي إلى الحكم سنة 1987 بعد إزاحة الرئيس الحبيب بورقيبة، كان الحزب الديمقراطي التقدمي من بين القوى السياسية التي رحبت في البداية بوعود الانفتاح السياسي والإصلاح الديمقراطي. غير أن تلك الآمال سرعان ما تلاشت مع عودة القبضة الأمنية على الحياة السياسية، ليجد الشابي وحزبه نفسيهما مجددًا في صفوف المعارضة، عبر البيانات السياسية والعمل الحزبي والصحفي، دفاعًا عن الحريات العامة والتعددية السياسية.

وخلال التسعينات وبداية الألفية الجديدة، أصدر الحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة الشابي سلسلة من البيانات السياسية والعرائض التي دعت إلى رفع القيود عن حرية الصحافة، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وضمان استقلال القضاء، وتنظيم انتخابات حرة وتعددية.

وخلال هذه المرحلة، لم يكن أحمد نجيب الشابي معارضًا منفردًا، بل كان جزءًا من نواة سياسية تشكلت داخل الحزب الديمقراطي التقدمي وضمت عددًا من أبرز الوجوه المعارضة آنذاك، من بينهم مية الجريبي التي أصبحت لاحقًا أول امرأة تترأس حزبًا سياسيًا في تونس، ومحمد النوري أحد القيادات التاريخية للحزب، إضافة إلى منجي اللوز الذي كان من الوجوه البارزة في العمل الحزبي المعارض.

نجيب الشابي مع رفاقه الراحلين مية جريبي ومنجي اللوز

وقد شكّل هذا الفريق السياسي أحد أهم مكونات المعارضة المدنية لنظام بن علي، حيث عملوا عبر الحزب وجريدة “الموقف” على الدفاع عن الحريات العامة والتعددية السياسية.

وبعد ثورة 14 جانفي 2011 التي أطاحت بنظام بن علي، انتقل الشابي لفترة قصيرة من صفوف المعارضة إلى المشاركة في الحكم، حيث عُيّن في حكومة محمد الغنوشي الثانية وزيرًا للتنمية الجهوية في جانفي 2011 ضمن الحكومة الانتقالية التي تشكلت بعد سقوط النظام.

غير أن تلك التجربة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما عاد الشابي إلى صفوف المعارضة السياسية بعد استقالة حكومة الغنوشي، ليواصل نشاطه السياسي داخل الحزب الديمقراطي التقدمي الذي اندمج لاحقًا مع أحزاب أخرى ليؤسس الحزب الجمهوري.

وخلال سنوات ما بعد الثورة، ظل الشابي حاضرًا في النقاش السياسي العام، مدافعًا عن المسار الديمقراطي، لكنه لم يُخف في الوقت نفسه انتقاداته لتجربة الحكم التي قادتها حركة النهضة بعد الثورة.

وفي هذا السياق أثار الشابي جدلًا واسعًا سنة 2019 عندما صرح في إحدى المقابلات الإعلامية بأنه يعتذر للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي عمّا اعتبره ظلمًا في بعض التقييمات التي صدرت خلال مرحلة ما بعد الثورة، مشيرًا إلى أن ممارسات بعض القوى السياسية التي حكمت بعد 2011 جعلته يعيد النظر في مقارنات المرحلة.

ورغم الجدل الذي أثاره ذلك التصريح، ظل أحمد نجيب الشابي واحدًا من الشخصيات السياسية التي حافظت على حضورها في النقاش العام، قبل أن يعود مجددًا إلى صدارة المعارضة بعد قرارات 25 جويلية 2021.

وباعتقاله في ديسمبر 2024، يكون الشابي قد أغلق فعليًا مسارًا سياسياً استثنائيًا امتد لنحو نصف قرن، بدأ بمعارضة دولة الحزب الواحد، ومرّ بمواجهة نظام بن علي، لينتهي اليوم بمواجهة سلطة جديدة يتهمها معارضوها بالعودة إلى منطق الحكم الفردي.

تجربة إضراب 18 أكتوبر 2005 ومطالب لم تتغير

من أبرز المحطات النضالية في مسيرته مشاركته في إضراب الجوع الشهير في 18 أكتوبر 2005 خلال حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

فقد خاض الشابي الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي وقتها، إلى جانب عدد من رموز المعارضة التونسية بصفانهم وقتها من مختلف التيارات،  حمة الهمامي، الناطق الرسمي لحزب العمال الشيوعي، وعبد الرؤوف العيادي، نائب رئيس المؤتمر من أجل الجمهورية، وسمير ديلو القيادي في حركة النهضة، والقاضي مختار اليحياوي، والناشط الحقوقي محمد النوري، والصحفي لطفي الحاجي، إضافة للمحامي العياشي الهمامي، إضرابًا عن الطعام استمر أكثر من شهر، احتجاجًا على القمع السياسي وغياب الحريات في البلاد.

 

 

 

 

 

 

 

 

ثم تأسست الهيئة التي اتخذت من تاريخ الإضراب اسمها، وكان ذلك يوم 24 ديسمبر 2005، كإطار سياسي فريد جمع أحزاب من مختلف الحساسيات هي حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي والمؤتمر من أجل الجمهورية والحزب الديمقراطي التقدمي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وحركة الوحدويين الناصريين.

وجاء هذا التحرك قبيل احتضان تونس القمة العالمية لمجتمع المعلومات، حيث سعى المضربون إلى لفت انتباه الرأي العام الدولي إلى واقع الحريات في تونس آنذاك.

وقد رفع المضربون مطالب واضحة، أبرزها:

حرية التعبير والصحافة، حرية التنظيم السياسي، وإطلاق سراح المساجين السياسيين.

وشكل ذلك الإضراب إحدى اللحظات المفصلية في تاريخ المعارضة التونسية قبل الثورة، إذ جمع أطيافًا سياسية مختلفة حول مطالب ديمقراطية مشتركة.

لم يكن إضراب الجوع في 18 أكتوبر 2005 تحركًا فرديًا، بل شكّل لحظة سياسية استثنائية جمعت أطيافًا مختلفة من المعارضة التونسية. فقد شارك فيه عدد من أبرز رموز العمل السياسي والحقوقي آنذاك، إلى جانب شخصيات أخرى من التيارات اليسارية والقومية والإسلامية والليبرالية.

مطالب المضربين  وقتها  تمثلت في حرية التعبير والصحافة، وحرية التنظيم السياسي، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وفتح المجال العام أمام العمل المدني المستقل.

والمفارقة اليوم أن تلك المطالب نفسها تعود إلى الواجهة بعد نحو عقدين من الزمن. فبعدما اعتقد كثير من التونسيين أن صفحة الاستبداد طُويت مع ثورة 2011، يجد أحمد نجيب الشابي نفسه مجددًا يطالب بما طالب به قبل عشرين عامًا: إطلاق الحريات العامة، ورفع القيود عن العمل السياسي والمدني، والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وكأن التاريخ يعيد نفسه في تونس، حيث يعود أحد أبرز وجوه المعارضة ليخوض المعركة ذاتها التي خاضها في عهد زين العابدين بن علي، لكن هذه المرة في سياق سياسي مختلف، بينما تبقى المطالب الأساسية للديمقراطية هي نفسها: الحرية والحق في العمل السياسي دون خوف أو سجون.

الدفاع عن الخصوم أيضًا

ورغم الخلافات السياسية الحادة التي جمعته بعدد من الشخصيات، ظل أحمد نجيب الشابي يؤكد في أكثر من مناسبة أن الدفاع عن الحريات يجب أن يشمل الجميع دون استثناء.

وفي هذا السياق، عبّر الشابي في مناسبات مختلفة عن تضامنه مع شخصيات سياسية تعرضت للملاحقة أو الهجوم السياسي، حتى عندما كانت من خصومه.

ومن بين تلك المواقف تضامنه مع رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، رغم الخلاف السياسي الكبير بينهما، معتبرًا أن الاختلاف السياسي لا يمكن أن يكون مبررًا للملاحقة أو السجن، حيث شارك في وقفة احتجاجية في نوفمبر 2024 أمام المحكمة الابتدائية بتونس، مؤكدا أنها ليست المرة الأولى التي يتضامن معها، وأنه يعتبرها سجينة سياسية بامتياز.

قضاء قس سعيد يسجن التاريخ

اليوم، وبعد مرور مئة يوم على اعتقاله، يبدو أحمد نجيب الشابي وكأنه يمثل صفحة كاملة من تاريخ المعارضة التونسية التي وجدت نفسها خلف القضبان.

فالرجل الذي واجه نظام بن علي لعقود، وخاض معارك سياسية وإعلامية وقضائية دفاعًا عن الحريات، يجد نفسه اليوم في مواجهة نظام جديد يرى معارضوه أنه يستخدم القضاء لإخماد كل صوت معارض.

وفي بلدٍ تتسع فيه قائمة سجناء الرأي والسياسة يومًا بعد يوم، مع أحكام ثقيلة تتوالى على المعارضين، من أحمد نجيب الشابي إلى عبير موسي التي صدر في حقها حكم بعشر سنوات سجناً، وصولاً إلى ملاحقة نشطاء وقادة مبادرات مدنية مثل “أسطول الصمود”، يبدو المشهد وكأن السلطة اختارت السجون طريقاً لإدارة الخلاف السياسي.

لكن يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: هل يمكن سجن رجل… دون أن يُسجن معه جزء من تاريخ السياسة التونسية؟ أم أن التاريخ، مهما ضاقت به الزنازين، يظل أكبر من أن يُدفن خلف القضبان؟

وختاما، هل يستطيع نظام سياسي أن يضع كل هؤلاء الأحياء في السجون… ويعتقد أنه بذلك أغلق صفحة المعارضة والحريات نهائيا في تونس؟

كاتب

  • مؤسسة ومديرة موقع تونس ميديا، أستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار -دبلوم اقتصاد وعلوم سياسية. مدافعة عن حقوق الإنسان-صحافية استقصائية، متخصصة في تحقيقات قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان. مدربة في الصحافة وقضايا الجندر ومكافحة الأخبار الزائفة.

    View all posts

خولة بوكريم

مؤسسة ومديرة موقع تونس ميديا، أستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار -دبلوم اقتصاد وعلوم سياسية. مدافعة عن حقوق الإنسان-صحافية استقصائية، متخصصة في تحقيقات قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان. مدربة في الصحافة وقضايا الجندر ومكافحة الأخبار الزائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى