الحرب في الشرق الأوسط: فاتورة جديدة للاقتصاد التونسي
انعكاساتها الاقتصادية قد تصل سريعًا إلى الداخل التونسي
بقلم خولة بوكريم
تبدو الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط بين مع انخراط مباشر أو غير مباشر من بعيدة جغرافيًا عن تونس. غير أن انعكاساتها الاقتصادية قد تصل سريعًا إلى الداخل التونسي، في ظل اقتصاد هش يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة والمواد الأساسية ويتأثر بشدة بالاضطرابات في الأسواق العالمية.
ومع تصاعد التوتر في المنطقة، بدأت الأسواق العالمية تسجل تقلبات حادة في أسعار النفط وكلفة النقل البحري وسلاسل الإمداد الدولية، وهي عوامل قد تضيف ضغوطًا جديدة على اقتصاد يعاني أصلًا من تضخم مرتفع ونمو ضعيف.
وفي هذا السياق، أكد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي أن تونس “تتابع التطورات الدولية عن كثب وهي مستعدة للتعامل مع أي تداعيات محتملة”، في إشارة إلى احتمال تأثر البلاد بالاضطرابات الجيوسياسية الجارية.
صدمة محتملة في أسعار الطاقة

أول انعكاس اقتصادي مباشر للحرب في الشرق الأوسط يظهر عادة في سوق الطاقة. فالمنطقة تمثل أحد أهم مراكز إنتاج النفط في العالم، كما يمر عبر مضيق هرمز نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية.
وقد سجلت أسعار خام برنت – وهو المرجع الرئيسي لأسعار النفط في الأسواق الدولية – ارتفاعًا سريعًا منذ بداية التصعيد العسكري. فبعد أن كان سعر البرميل في حدود 77 دولارًا في بداية مارس، ارتفع إلى نحو 85 دولارًا للبرميل مع تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات النفطية.
بالنسبة لتونس، يمثل هذا التطور تحديًا مباشرًا للمالية العمومية. فالبلاد تستهلك سنويًا ما يقارب 95 ألف برميل نفط يوميًا، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي 40 ألف برميل يوميًا، ما يعني أن تونس تضطر إلى توريد نحو 55 ألف برميل يوميًا لتغطية حاجياتها من الطاقة.
.
وبحساب سنوي، يعادل ذلك نحو 20 مليون برميل مستورد سنويًا. وإذا ارتفع سعر البرميل مثلًا من 77 دولارًا إلى 90 دولارًا نتيجة الحرب، فإن ذلك يعني زيادة تقارب 13 دولارًا في البرميل الواحد، أي ما يقارب 260 مليون دولار إضافية سنويًا على فاتورة الطاقة التونسية، وهو ما يعادل حوالي 800 مليون دينار تونسي.
وتأتي هذه الزيادة المحتملة في وقت بُنيت فيه تقديرات قانون المالية لسنة 2026 على فرضية سعر نفط في حدود 74 دولارًا للبرميل، ما يعني أن أي ارتفاع كبير في الأسعار العالمية قد يفرض ضغوطًا إضافية على ميزانية الدولة.
اضطراب التجارة وارتفاع كلفة النقل
اضطراب التجارة وارتفاع كلفة النقل

لا تقتصر التداعيات المحتملة للحرب على سوق الطاقة فقط، بل تمتد أيضًا إلى حركة التجارة الدولية. فالتوترات العسكرية في المنطقة قد تؤثر على أمن الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة التأمين والشحن البحري.
وتونس، التي تعتمد بشكل كبير على التوريد لتأمين حاجياتها من الحبوب والمواد الأولية والعديد من المنتجات الصناعية، قد تتأثر بارتفاع كلفة النقل وتأخر وصول الإمدادات.
وفي عالم مترابط اقتصاديًا، يمكن لأي اضطراب في سلاسل التوريد الدولية أن ينعكس بسرعة على الأسعار المحلية، خاصة في الاقتصادات الصغيرة التي تعتمد بشكل واسع على الواردات.
مؤشرات أولى على تأثر اقتصادات المنطقة
لم تقتصر تداعيات التوتر في الشرق الأوسط على الأسواق العالمية فقط، بل بدأت تظهر انعكاساتها تدريجيًا في اقتصادات عدد من دول المنطقة. ففي مصر مثلًا، أعلنت الحكومة خلال الأشهر الأخيرة زيادات في أسعار عدد من المواد البترولية في إطار مراجعة منظومة دعم الطاقة، وهي زيادات ترتبط جزئيًا بارتفاع الأسعار العالمية للنفط وتزايد الضغوط على الميزانية.
كما تواجه دول أخرى في المنطقة مثل الأردن والمغرب تحديات مشابهة مرتبطة بارتفاع كلفة الطاقة والنقل، حيث تعتمد هذه الاقتصادات بدرجات مختلفة على استيراد النفط والغاز.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذه التطورات قد تشكل مؤشرًا مبكرًا لما قد تواجهه دول أخرى في المنطقة، من بينها تونس، إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع نتيجة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
اقتصاد تونسي هش أمام الصدمات الخارجية

تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه الاقتصاد التونسي تحديات داخلية متعددة، من بينها تباطؤ النمو وارتفاع التضخم وضغوط المالية العمومية.
كما أن الدينار التونسي يبقى حساسًا لتقلبات الأسواق العالمية، حيث يتراوح سعر صرف الدولار في تونس خلال الأشهر الأخيرة حول 3.10 إلى 3.20 دينار للدولار الواحد، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الطاقة أو السلع المستوردة يزيد الضغط على الميزانية وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
ولا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على كلفة الواردات الطاقية فقط، بل يمتد ليهدد توازنات المالية العمومية بشكل أوسع. فالدولة التونسية تتحمل جزءًا كبيرًا من كلفة المحروقات عبر منظومة الدعم، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على ميزانية الدولة.
فوفق تقديرات خبراء الطاقة، فإن ارتفاع سعر النفط بدولار واحد فقط قد يكلّف الميزانية التونسية ما بين 120 و140 مليون دينار إضافية سنويًا. وهو ما يعني أن ارتفاع الأسعار بعشرة دولارات قد يضيف أكثر من مليار دينار من النفقات غير المتوقعة.
وفي ظل عجز الميزانية والضغوط المتزايدة على المالية العمومية، قد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة، تتراوح بين زيادة مخصصات دعم الطاقة أو تمرير جزء من الارتفاع إلى الأسعار المحلية، وهو ما قد ينعكس بدوره على التضخم وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
مخاوف من تأثير غير مباشر على السياحة

ولا تقتصر التداعيات المحتملة للتوترات في الشرق الأوسط على الطاقة والتجارة فقط، بل قد تمتد أيضًا إلى قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد التونسي.
ففي حال اتساع رقعة الحرب أو تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة، قد يؤدي ذلك إلى تراجع حركة السفر الدولية نحو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام، وهو ما حدث في أزمات سابقة شهدتها المنطقة.
ويخشى بعض المختصين في القطاع السياحي أن تؤثر حالة عدم الاستقرار الإقليمي على قرارات السفر لدى السياح الأوروبيين، خاصة وأن تونس تعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
ورغم أن تونس تبقى بعيدة جغرافيًا عن مناطق النزاع المباشر، فإن التجارب السابقة أظهرت أن الصورة العامة للمنطقة في وسائل الإعلام الدولية قد تؤثر على تدفقات السياح، حتى عندما تكون الوجهات السياحية بعيدة عن بؤر التوتر.
في عالم مترابط اقتصاديًا، لم تعد الحروب أحداثًا بعيدة جغرافيًا. فالصواريخ التي تُطلق في الشرق الأوسط قد لا تصل إلى تونس عسكريًا، لكنها قد تظهر سريعًا في أسعار الوقود أو في فاتورة الواردات أو في القدرة الشرائية للمواطنين.
ومع استمرار التوترات بين إيران وإسرائيل واحتمال اتساع رقعة المواجهة، يبقى السؤال مطروحًا:
إلى أي حد يمكن للاقتصاد التونسي، المثقل أصلًا بالأزمات، أن يتحمل صدمة خارجية جديدة قادمة من أسواق الطاقة العالمية؟




