بعد الإفراج عن أحمد صواب: أسبوعان من الأحكام الثقيلة… واستمرار القمع عبر القضاء في تونس
هل كان القرار بداية انفراج قضائي… أم مجرد استثناء في مسار قضائي يواصل ملاحقة الخصوم السياسيين؟

بقلم خولة بوكريم –صحافية تونسية
⏱️ قراءة في 5 دقائق
لم يدم الانطباع بوجود انفراج قضائي طويلًا. فبعد الإفراج عن المحامي والقاضي السابق أحمد صواب يوم 23 فيفري 2026، بدأت سلسلة من الأحكام القضائية الثقيلة في اليوم الموالي مباشرة.
ففي أقل من أسبوعين فقط، صدرت قرارات بالسجن طالت قيادات سياسية ومرشحين رئاسيين ومسؤولين حكوميين سابقين ورجال أعمال، إلى جانب رفض الإفراج عن نشطاء حقوقيين وفتح تحقيقات جديدة.
وبينما اعتقد البعض في الإفراج عن صواب إشارة محتملة إلى تهدئة في المشهد القضائي والسياسي المتوتر في تونس، جاءت الأحكام التي تلته لتطرح سؤالًا معاكسًا:
هل كان القرار بداية انفراج قضائي… أم مجرد استثناء في مسار قضائي يواصل ملاحقة الخصوم السياسيين؟
النهضة في مقدمة المستهدفين
تبدو حركة النهضة على رأس قائمة المستهدفين لمزيد اثقال ملفات قياداتها بالأحكام، ففي 24 فيفري 2026 أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمًا بالسجن أربع سنوات ضد القياديين في حركة النهضة نور الدين البحيري ومنذر الونيسي في القضية المعروفة بقضية وفاة الجيلاني الدبوسي.
وقد أثارت القضية جدلاً واسعًا، إذ اعتبرت أطراف سياسية وهيئات حقوقية أن الملف يفتقد إلى أسس قانونية واضحة، وأن المحاكمة شهدت خروقات إجرائية عديدة.
وأصدرت جبهة الخلاص الوطني بيانًا اعتبرت فيه أن القضية تمثل مثالًا على ما وصفته بـ”توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية”، مشيرة إلى أن الحكم صدر في ظروف استعجالية وغير معهودة في القضايا الجنائية، مع رفض المحكمة عدداً من طلبات الدفاع الأساسية، من بينها طلبات سماع شهود وتقديم معطيات طبية مرتبطة بالملف. كما اعتبرت الجبهة أن القضية نفسها تقوم على رواية قضائية تفتقر، وفق تقديرها، إلى الأسس العلمية والقانونية الكافية، مؤكدة أن:
وفاة الجيلاني الدبوسي حصلت بعد سنوات من مغادرة المسؤولين المعنيين لمناصبهم الحكومية، وهو ما قالت إنه يطرح تساؤلات حول العلاقة السببية التي بني عليها الحكم.
ودعت الجبهة في بيانها إلى ضمان محاكمات تتوفر فيها شروط النزاهة والحياد، ووقف ما وصفته بـ”سلسلة المحاكمات ذات الخلفية السياسية” التي تستهدف شخصيات معارضة منذ 25 جويلية 2021.
من جهتها، دعت اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT) ومقرها باريس، إلى احترام قرينة البراءة وضمان شروط المحاكمة العادلة، مؤكدة أن:
أيُ إدانة يجب أن تستند إلى إجراءات قضائية تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، بما في ذلك حق الدفاع الكامل والمساواة بين الأطراف أمام القضاء.
وأعربت اللجنة عن قلقها مما وصفته بتزايد المؤشرات التي تثير الشكوك حول استقلالية المسار القضائي في بعض القضايا ذات الطابع السياسي، داعية السلطات التونسية إلى ضمان أن تتم كل الإجراءات القضائية في إطار احترام الالتزامات الدولية لتونس، خاصة تلك المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة وحماية الكرامة الإنسانية للموقوفين. كما شددت اللجنة على أن مكافحة الفساد أو معالجة القضايا الأمنية لا يمكن أن تتم على حساب المبادئ الأساسية لدولة القانون، معتبرة أن العدالة العادلة وحدها هي القادرة على ترسيخ الثقة في المؤسسات.
27 فيفري: يوم الأحكام الثقيلة
أما 27 فيفري 2026 فكان من أكثر الأيام ثقلًا على مستوى الأحكام القضائية.
فقد أصدرت المحكمة حكمًا بالسجن 24 عامًا ضد وزير الداخلية السابق علي العريض في ما يعرف بملف التسفير إلى بؤر التوتر.
وشملت الأحكام في الملف نفسه مسؤولين أمنيين سابقين هما فتحي بلدي وعبد الكريم العبيدي بعقوبة 22 عامًا سجنا.
كما صدر حكم بالسجن 12 عامًا ضد المرشح الرئاسي السابق نبيل القروي في قضية مالية تتعلق بملف شركة كاكتوس برود إلى جانب شقيقه غازي القروي.

وفي اليوم نفسه رفضت المحكمة الطعون المقدمة في ثمانية أحكام سابقة ضد المرشح الرئاسي السابق العياشي زمال، في القضايا المتعلقة بجمع التزكيات للترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2024، والتي تصل عقوبتها الجملية إلى أكثر من عشرين عامًا سجنا.
وخلال الأسبوعين الأخيرين، توالت جلسات المحاكم في قضايا مرتبطة بملفات سياسية، وسط حضور لافت لعائلات المتهمين ومحامين من عدة هيئات دفاع.
أحكام ثقيلة في ملف المبروك… وأسئلة حول التناسب واحتمالية الابتزاز
في 2 مارس 2026 أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمًا بالسجن ست سنوات ضد كل من رجل الأعمال مروان المبروك ورئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد وعدد من الوزراء السابقين، من بينهم مبروك كرشيد ومهدي بن غربية ومحمد رضا شلغوم ومحمد الأنور معروف وخميس الجهيناوي، إضافة إلى مسؤولين سابقين.
وتتعلق القضية بقرار المجلس الوزاري المضيق المنعقد سنة 2018 والمتعلق برفع التجميد عن أموال رجل الأعمال مروان المبروك.
كما قضت المحكمة بخطايا مالية ضخمة بلغت 800 مليون دينار لكل متهم مع إلزامهم بالتضامن في دفع المبلغ نفسه.
وقد أثارت هذه الأحكام جدلاً واسعًا، خاصة بسبب حجم العقوبات المالية غير المسبوقة. ففي بيان مطول، اعتبرت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT) ومقرها باريس أن العقوبات المالية الصادرة في هذه القضية تبدو “غير متناسبة مع الوقائع المنسوبة”، مشيرة إلى أن المبالغ المحكوم بها تفوق بكثير حجم الأموال موضوع القضية. وذكّرت اللجنة بأن مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة يعد من المبادئ الأساسية في القانون وفي المعايير الدولية التي تضمن المحاكمة العادلة.
كما اعتبرت اللجنة أن حجم الغرامات المحكوم بها قد يؤدي عمليًا إلى ما وصفته بـ“الإعدام المالي”، محذّرة من أن العقوبات التي تتجاوز بكثير قيمة الوقائع محل الاتهام قد تتحول إلى أداة ضغط اقتصادي بدل أن تبقى في إطار العقوبة الجزائية المتناسبة.
ويثير مسار هذه القضية كذلك تساؤلات تتعلق بطبيعة المسؤولية داخل القرار الحكومي الجماعي. فالقرار موضوع القضية صدر عن مجلس وزاري مضيق شارك فيه عدد من الوزراء، غير أن الإدانة طالت بعضهم فقط، في حين قضت المحكمة بـعدم سماع الدعوى في حق وزراء آخرين شاركوا في الاجتماع ذاته، من بينهم سمير الطيب وسلمى اللومي ورياض المؤخر. هذا التفاوت في المآلات القضائية داخل القرار نفسه يفتح باب التساؤل حول المعايير المعتمدة في تحديد المسؤولية الجنائية داخل قرارات حكومية جماعية يفترض أن تتحمل فيها الحكومة مسؤولية مشتركة.
كما يطرح مسار هذه القضية تساؤلات أخرى في سياق العلاقة بين الملف القضائي ومسار “الصلح الجزائي” الذي أطلقته السلطة لاسترجاع الأموال المنهوبة. فمروان المبروك كان من بين رجال الأعمال الذين طُلب منهم دفع مبالغ مالية في إطار هذا المسار، غير أنه رفض الامتثال لذلك.
وفي ضوء هذا المعطى، يرى منتقدون أن تزامن الملاحقات القضائية مع هذا الرفض قد يعطي الانطباع بأن الملف تحول إلى وسيلة ضغط مالي غير مباشر لدفع رجال الأعمال إلى القبول بشروط الصلح المفروضة، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول الحدود الفاصلة بين مكافحة الفساد واستخدام القضاء كأداة ضغط اقتصادي.

ولا يقتصر الأمر على الحكم الصادر في قضية رفع التجميد عن الأموال. فقد صدر في الفترة نفسها حكم آخر في ملف مختلف يقضي بسجن مروان المبروك لمدة 20 سنة، ما يجعل رجل الأعمال من بين أكثر الشخصيات التي طالتها أحكام ثقيلة خلال تلك الأيام. هذا التراكم السريع للأحكام في ملفات متعددة أعاد إلى الواجهة النقاش حول السياق السياسي والاقتصادي لهذه القضايا، خاصة في ظل الجدل الذي يحيط بمسار الصلح الجزائي الذي أطلقته السلطة لاسترجاع الأموال المنهوبة.
فالمبروك كان من بين رجال الأعمال الذين طُلب منهم دفع مبالغ مالية في إطار هذا المسار، غير أنه رفض الامتثال لذلك وفق ما تردد في الأوساط الاقتصادية والسياسية. وفي ضوء هذا المعطى، يرى منتقدون أن تزامن الملاحقات القضائية مع هذا الرفض قد يعطي الانطباع بأن الملف تحوّل إلى وسيلة ضغط مالي غير مباشر لدفع رجال الأعمال إلى القبول بشروط الصلح المفروضة، وهو ما يعيد طرح سؤال حساس في تونس اليوم: أين تنتهي مكافحة الفساد وأين يبدأ استخدام القضاء كأداة ضغط اقتصادي؟
رفض الإفراج وملاحقات جديدة
إلى جانب الأحكام، تواصلت قرارات الإيقاف ورفض الإفراج في عدد من القضايا.
ففي 26 فيفري 2026 رفضت المحكمة الإفراج عن رئيسة جمعية منامتي سعدية مصباح.
كما رفضت المحكمة في 5 مارس 2026 الإفراج عن الناشطة الحقوقية سلوى غريسة رئيسة جمعية الحق في الاختلاف.
وفي 2 مارس 2026 صدر حكم بالسجن سنتين ضد القاضي المعفى هشام بن خالد بسبب تدوينة نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أذنت السلطات يوم 6 مارس 2026 بالاحتفاظ برئيس غرفة القصابين أحمد العميري.
وفي 27 فيفري 2026 صدر حكم ابتدائي بالسجن 24 عامًا ضد رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المخابز محمد بوعنان في قضية تتعلق بالاحتكار والمضاربة بمواد غذائية مدعمة والإثراء غير المشروع.
إيقافات نشطاء أسطول الصمود
إلى جانب الأحكام القضائية، شهدت الفترة نفسها إيقافات طالت نشطاء مدنيين.
ففي 6 مارس 2026 قررت النيابة العمومية الاحتفاظ بعدد من نشطاء مبادرة أسطول الصمود، وهم:
وائل نوار
جواهر شنة
نبيل الشنوفي
محمد أمين بنور
سناء مساهلي

وفي 7 مارس 2026 تم ايقاف الناشط غسان هنشيري أثناء مظاهرة رافضة الحرب التي تشنها امريكا واسرائيل على إيران والتي رفعت فيها اصلا صور قيادات أسطول الصمود الذين تم إيقافهم.
وفتحت السلطات تحقيقًا يتعلق بشبهات تدفقات مالية مشبوهة وتحيل وغسيل أموال، وهي تهم ينفيها عدد من المدافعين عن المبادرة الذين اعتبروا أن القضية مرتبطة بنشاط الأسطول الداعم لغزة وكسر الحصار عنها.
أكثر من 120 سنة سجن في أقل من أسبوعين
عند جمع العقوبات الصادرة خلال هذه الفترة، يتبين أن مجموع الأحكام بالسجن يتجاوز 120 سنة في أقل من أسبوعين فقط.
وهو رقم اعتبره مراقبون مؤشراً على حجم التصعيد القضائي في البلاد، خاصة أن جزءًا مهمًا من القضايا يطال شخصيات سياسية أو مرشحين سابقين للانتخابات أو مسؤولين حكوميين سابقين.
تقول السلطة التونسية ليس بشكل مباشر لل على لسان أبوابها الإعلامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن:
هذه الأحكام تندرج في إطار تطبيق القانون ومكافحة الفساد والإفلات من العقاب.
لكن في المقابل ترى المعارضة وعدد من المنظمات الحقوقية أن القضاء أصبح جزءًا من إدارة الصراع السياسي في البلاد.
وبين هذين التفسيرين، يبقى المشهد القضائي في تونس محل جدل متواصل منذ انقلاب 25 جويلية 2021.
تكشف سلسلة الأحكام والإيقافات التي تلت الإفراج عن أحمد صواب أن القرار لم يتحول إلى مؤشر على تهدئة في المشهد القضائي التونسي.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال فقط ما إذا كان الإفراج عن أحمد صواب يمثل بادرة تهدئة. بل سؤالا أعمق يفرض نفسه اليوم:
هل ما زال القضاء في تونس يمارسُ دوره كسلطة مستقلة تفصل في النزاعات وفق القانون… أم أنه تأكد تحوله إلى أداة في صراع سياسي تُستخدم لتصفية الخصوم؟ فعندما تصبحُ الأحكام حدثاً سياسياً بحد ذاته، يصبح القضاء جزءاً من الصراع لا حكماً فيه.




