
بقلم خولة بوكريم
⏱ قراءة في 4 دقائق
رفع قيس سعيّد شعار “التطبيع خيانة عظمى” في حملته الانتخابية باعتباره موقفًا أخلاقيًا قاطعًا لا يقبل التأويل. كان الشعار يومها جزءًا من صورة سياسي يقدّم نفسه حارسًا للمبادئ قبل أن يكون لاعبًا في حسابات السياسة. لكن بين تعطيل قانون تجريم التطبيع داخل البرلمان، واللغة الحذرة في السياسة الخارجية، وإيقاف نشطاء أسطول الصمود، تكشف السنوات الأخيرة مسافة واضحة بين خطاب الحملة الانتخابية وتعقيدات الحكم. فحين تصل الشعارات إلى السلطة، لا تعود مجرد كلمات تُرفع في الميادين، بل تتحول إلى اختبار حقيقي للمصداقية السياسية.
لم تكن فلسطين في خطاب قيس سعيّد مجرد قضية خارجية، بل تحولت منذ حملته الانتخابية إلى ورقة أخلاقية وسياسية يختبر بها خصومه ويقيس بها صدقية مواقفهم. غير أن المفارقة أن هذه الورقة نفسها بدأت تحترق تدريجيًا عندما اصطدمت بتعقيدات الحكم وحسابات الدولة. فبين الشعار الذي رفعه في الانتخابات والواقع الذي فرضته السياسة، اتسعت المسافة حتى أصبحت فلسطين نفسها عنوانًا في الخطاب أكثر منها سياسة تُترجم على الأرض.
في السياسة، ليست الشعارات هي ما يصنع المواقف، بل القدرة على تحويلها إلى قرارات. فالشعار قد يرفع الحماس في الحملات الانتخابية، لكنه يصبح اختبارًا حقيقيًا عندما يصل صاحبه إلى السلطة.

منذ حملته الانتخابية سنة 2019، قدّم الرئيس التونسي قيس سعيّد نفسه بوصفه صاحب موقف قاطع من القضية الفلسطينية. لم يكن موقفًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل خطابًا أخلاقيًا صارمًا اختصره في عبارة واحدة أصبحت من أشهر شعاراته السياسية:
التطبيع خيانة عظمى.
كانت عبارة قوية، لا تترك مجالًا للتأويل. خيانة… لا مجرد خطأ سياسي، لكن بعد سنوات من الحكم، بدأت مفارقة لافتة تتشكل بين الخطاب الذي رفعه الرئيس، والواقع السياسي الذي تشكل تحت سلطته..
عندما اصطدم الشعار بالقانون
عاد النقاش حول تجريم التطبيع بقوة داخل البرلمان التونسي سنة 2023، في خضم الحرب على غزة.
كان مشروع القانون واضحًا: تجريم أي علاقة مع إسرائيل بعقوبات تصل إلى السجن.
لكن الجدل الذي انفجر داخل البرلمان كشف شيئًا مختلفًا.
ففي جلسة علنية بتاريخ 2 نوفمبر 2023، قال رئيس البرلمان التونسي إبراهيم بودربالة إن الرئيس قيس سعيّد أبلغه أن مشروع قانون تجريم التطبيع:
قد يضر بالمصالح الخارجية لتونس ويتعلّق بخانة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي.
وأضاف بودربالة أن الرئيس اعتبر أن النقاش حول المشروع اتخذ طابعًا انتخابيًا لا أكثر ولا أقل.

كان ذلك التصريح لحظة سياسية كاشفة. فالشعار الذي رفعه الرئيس بنفسه أصبح، عندما وصل إلى البرلمان، مشروعًا يهدد “المصالح الخارجية للدولة”.
لم تمر تلك التصريحات دون رد.
فقد اتهم عدد من النواب رئيس البرلمان بتعطيل تمرير القانون.
وكان من بين أبرزهم النائب بلال المشري الذي قال صراحة:
إبراهيم بودربالة رافض لقانون تجريم التطبيع وهو من يعيق تمرير مشروع القانون.
كما أكد النائب عبد الرزاق عويدات، أحد مقدمي المشروع، أن النواب ما زالوا متمسكين بتمرير القانون، مشددًا على أن تجريم التطبيع لا يتعارض مع مصالح تونس ولا مع سيادتها.
وهكذا تحوّل النقاش من سؤال مبدئي حول التطبيع إلى سؤال سياسي أعمق: من الذي يعطل القانون… ولماذا؟
من خطاب “دعم المقاومة ضد الاحتلال” إلى حياد الدولة
المشهد يزداد تعقيدًا عندما ننظر إلى السياسة الخارجية التونسية في السنوات الأخيرة.
ففي عهد قيس سعيّد شهدت العلاقات التونسية الإيرانية نوعًا من الانفتاح الملحوظ و تقاربًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، تُوِّج سنة 2024 بقرار إعفاء المواطنين الإيرانيين من تأشيرة الدخول إلى تونس لأغراض سياحية لمدة 15 يومًا، في خطوة اعتُبرت حينها مؤشرًا على دفء العلاقات بين البلدين. كما تزايدت الأنشطة الثقافية والإعلامية المرتبطة بالسفارة الإيرانية في تونس وأصبحت محل اهتمام لدى وسائل إعلام محلية. ناهيك على انتشار اخبار كثيفة بخصوص تمويلات إيرانية للأنشطة التي “تدعم فلسطين” على الأراضي التونسية على غرار الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع.
وكان البعض يقرأ ذلك بوصفه تقاربًا مع محور ما يسمى “المقاومة والممانعة”.
ومن المفارقات اللافتة أيضًا أن الخطاب الرئاسي نفسه برز في أكثر من مناسبة وكأنه يستعير مفردات محور الممانعة في توصيف الصراع مع إسرائيل. وظهر بوضوح خلال اللقاء الذي جمع الرئيس قيس سعيّد بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في قصر قرطاج يوم 10 سبتمبر 2025. خلال ذلك اللقاء، شدّد سعيّد على أن “الإنسانية اليوم تقف ضد الكيان الصهيوني وجرائمه”، في خطاب حمل نبرة تضامن واضحة مع الشعوب في مواجهة ما وصفه بالعدوان الصهيوني.

كان ذلك الموقف منسجمًا مع صورة الرئيس التي حاول ترسيخها منذ حملته الانتخابية: رئيس يضع القضية الفلسطينية في صلب خطابه السياسي، ويتبنى خطابًا حادًا ضد الصهيونية العالمية. لكن المفارقة أن هذا الخطاب نفسه بدا لاحقًا بعيدًا عن التحول إلى سياسات ملموسة، خصوصًا عندما اصطدم بملفات مثل قانون تجريم التطبيع، أو المواقف الرسمية للدولة في الأزمات الإقليمية.
لكن عندما اندلعت الحرب الإقليمية في فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، جاء بيان وزارة الخارجية التونسية بلغة دبلوماسية حذرة، خالية من أي تعبير صريح عن التضامن مع إيران أو مع الشعب الإيراني الذي تعرض للقصف.
هذا الموقف أثار استغراب كثيرين داخل تونس وخارجها، خاصة أن الخطاب السياسي الرسمي كان يوحي طوال السنوات الماضية بقرب سياسي من طهران.
بل إن بعض المراقبين اعتبروا أن غياب أي موقف واضح من القصف الذي طال إيران شكّل صدمة سياسية، وذهب البعض إلى حد وصف البيان بأنه موقف أقرب إلى الحياد المريب أو حتى تواطؤ غير معلن مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وهكذا ظهرت مرة أخرى المفارقة بين خطاب “دعم المقاومة ومن يدعمها بالخطاب والسلاح” الذي طبع السنوات الماضية، وبين لغة الدولة الحذرة عندما يتعلق الأمر بمواجهة فعلية مع القوى الدولية.
فلسطين بين الزخم الشعبي وحسابات السلطة
منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، شهدت تونس موجة واسعة من المظاهرات الداعمة لفلسطين.
وقد بدا واضحًا أن السلطة سمحت بتلك التظاهرات بل وشجعتها في كثير من الأحيان، في لحظة كان فيها الشارع التونسي يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.
فبينما امتلأت الشوارع بالشعارات المنددة بإسرائيل، تراجعت في المقابل أخبار الإيقافات السياسية والمحاكمات والسجون، كما تراجعت النقاشات حول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
وبدا وكأن الزخم الشعبي حول فلسطين تحوّل، بشكل غير مباشر، إلى متنفس سياسي للنظام ووسيلة لإعادة توجيه النقاش العام بعيدًا عن الأزمات الداخلية.
لكن هذه المعادلة بدأت تتصدع فجأة.
أسطول الصمود… من التضامن إلى الاتهام
في حادثة أثارت الكثير من الجدل، تعرض أحد مراكب أسطول الصمود التضامني مع غزة إلى الاستهداف داخل ميناء سيدي بوسعيد، في حادثة بقيت تفاصيلها غامضة ولم يصدر بشأنها موقف سياسي واضح من رئاسة الجمهورية.
وخلال الأشهر الأخيرة، شُنت حملات إعلامية متكررة استهدفت أعضاء المبادرة، وجرى اتهامهم بالحصول على تمويلات مشبوهة تحت عنوان كسر الحصار عن غزة.
وقد ترافقت هذه الحملات مع تحركات قضائية.
فقد قررت النيابة العمومية مساء الجمعة 6 مارس 2026 الاحتفاظ بعدد من النشطاء على ذمة التحقيق.
وجاء في القرار:
قررت النيابة العمومية الاحتفاظ بكل من النشطاء وائل نوار، جواهر شنة، نبيل الشنوفي، محمد أمين بنور وسناء مساهلي على ذمة البحث.
وينتمي هؤلاء النشطاء إلى مبادرة “أسطول الصمود” التضامنية مع غزة.

بعد أن أذنت النيابة العمومية بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي للفرقة الوطنية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة للحرس الوطني بمباشرة بحث عدلي بخصوص معطيات تتعلق بتدفقات مالية مشبوهة تحصّلت عليها الهيئة التسييرية لأسطول الصمود بتونس، ومدى شرعية مصدرها وتوظيفها لأغراض مشبوهة ولمنافع شخصية، بما يرقى إلى شبهة ارتكاب جرائم تحيل وغسيل أموال.
لكن بالنسبة إلى كثير من المنتقدين، فإن ما يحدث يتجاوز مجرد تحقيق قضائي.
فبعد سنوات من رفع شعار “التطبيع خيانة عظمى”، يجد نشطاء تضامن مع فلسطين أنفسهم تحت طائلة التحقيق.
وبينما يرى أنصار السلطة أن الأمر يتعلق بتطبيق القانون، يعتبر منتقدوها أن هذه التطورات تمثل لحظة سقوط سياسي لشعار رفعه الرئيس نفسه في حملته الانتخابية.
بل ذهب البعض إلى القول إن هذه الخطوة تمثل إعلانًا غير مباشر لولاء سياسي جديد يأخذ بعين الاعتبار الحسابات الدولية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وهنا تحديدًا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا:
فالشعار الذي صفق له الشارع يومًا… قد يكون اليوم أول ضحاياه.
سؤال المصداقية
بعد كل هذه التطورات، لم يعد السؤال الحقيقي في تونس يتعلق بالموقف من التطبيع، فذلك موقف يكاد يجمع عليه أغلب التونسيين.
السؤال الأعمق اليوم يتعلق بمصداقية الخطاب السياسي نفسه.
فالشعار الذي رفعه قيس سعيّد يومًا بوصفه موقفًا أخلاقيًا مطلقًا — “التطبيع خيانة عظمى” — لم يتحول إلى قانون، ولم ينجح في الصمود أمام اختبار السياسة عندما اصطدم بمصالح الدولة وحساباتها الدولية.
وبين تعطيل قانون تجريم التطبيع داخل البرلمان، ولغة الحذر في السياسة الخارجية، وإيقاف نشطاء مبادرة أسطول الصمود، تبدو المفارقة اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
فالسياسة قد تحتمل التراجع والمراجعة، لكن ما يصعب تجاوزه هو الفارق بين الشعار الذي صفق له الناس يومًا… والواقع الذي يعيشونه اليوم.
لقد بدت فلسطين في خطاب قيس سعيّد لسنوات عنوانًا أخلاقيًا ثابتًا، لكنها تحولت في الممارسة السياسية إلى ورقة استُخدمت انتخابيًا وسياسيًا ثم أُحرقت تدريجيًا عندما اصطدمت بحسابات السلطة والدولة.
وحين يصبح الشعار نفسه عبئًا على صاحبه، لا يعود السؤال: لماذا تغيّرت السياسة؟
بل يصبح السؤال الأبسط والأقسى في آن واحد:
هل كان الشعار يومًا سياسة فعلية… أم مجرد وعد انتخابي عابر؟




