épingléتقارير

معركة الوجود: كيف تعيد الإمارات والسعودية هندسة الردع في مواجهة إيران

مقال تحليلي

بقلم خولة بوكريم 

في منطقة تتكاثر فيها الأزمات وتتقاطع خطوط النار غير المباشرة، لم يعد الدفاع الجوي مسألة تقنية بحتة، بل أصبح عنصرًا مركزيًا في هندسة الردع الإقليمي. فالهجمات الصاروخية والمسيّرات منخفضة الكلفة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة دفعت دول الخليج إلى إعادة تعريف مفهوم “الحماية”، والانتقال من الاعتماد على المظلة الأمنية الخارجية إلى بناء منظومات متعددة الطبقات قادرة على امتصاص الصدمة الأولى.

وجاء التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليضع أنظمة الدفاع الجوي في قلب المشهد. فقد تبادل الطرفان ضربات جوية وصاروخية استهدفت منشآت حساسة، فيما ردّت طهران بإطلاق دفعات من الصواريخ والمسيّرات باتجاه أهداف إسرائيلية وقواعد عسكرية في المنطقة، في تطور أعاد طرح سؤال الجاهزية الدفاعية في الخليج.

في هذا المناخ المتوتر، لم تعد دول الخليج تراقب من بعيد. فالقرب الجغرافي، وتشابك المصالح الاقتصادية، وخشية انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، تجعل من سباق بناء “الدرع الجوي” مسألة أمن قومي مباشر.

بين الإمارات والسعودية، يظهر مساران متوازيان يتقاطعان في الهدف ويختلفان في التركيب: تحصين السماء ضد الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، في مواجهة بيئة أمنية تتصدرها إيران كفاعل صاروخي رئيسي في المنطقة.

الإمارات: بنية دفاعية متعددة الطبقات

خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، بنت أبوظبي واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي تكاملًا في الخليج. ويستند هذا البناء إلى مزيج من أنظمة أميركية، كورية جنوبية، وروسية، بالإضافة إلى أنظمة إسرائيلية في سياق التعاون الأمني الذي أعقب اتفاقيات التطبيع.

Photo: Missile Defense Agency / U.S. DoD
Photo: Missile Defense Agency / U.S. DoD

من أبرز هذه الأنظمة:

THAAD (Terminal High Altitude Area Defense) لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، وكانت الإمارات أول دولة أجنبية تحصل عليه، ، وفق إخطار رسمي من وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA).

Patriot PAC3 لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروزPatriot PAC-3 لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وفق بيانات Raytheon ووزارة الدفاع الأمريكية..

Pantsir-S1 للدفاع قصير المدى ضد المسيّرات والقذائف.

M-SAM / KM-SAM (تشونغونغ) كنظام دفاع متوسط المدى مطوّر من كوريا الجنوبية.

Barak-8 كنظام دفاع متقدم ضد الصواريخ والطائرات، طوّرته الصناعات الجوية الإسرائيلية.

هذا التنوع يمنح الإمارات قدرة على تغطية طبقات متعددة من الارتفاعات والمدى، ويجعلها أقرب إلى نموذج “الدرع المتكامل”، حيث لا تعتمد منظومة واحدة على النجاح الكامل، بل تعمل الأنظمة كشبكة مترابطة تقلّص هامش الاختراق.

السعودية: تحديث مستمر تحت ضغط التهديد المباشر

في المقابل، جاءت تجربة السعودية في تطوير دفاعاتها الجوية تحت ضغط هجمات فعلية استهدفت منشآت حيوية، أبرزها هجمات 2019 على منشآت أرامكو. وقد شكّل ذلك نقطة تحوّل في التفكير الدفاعي السعودي.

US Army official mediahttps://www.army.mil/media
US Army official media https://www.army.mil/media

تعتمد الرياض أساسًا على:

-منظومات Patriot PAC3 التي خضعت لتحديثات مستمرة.

-اتفاقية الحصول على THAAD التي أُبلغ عنها رسميًا عام 2017 بقيمة تقديرية تقارب 15 مليار دولار.

-تعزيز منظومات الإنذار المبكر والرادارات بعيدة المدى.

وبخلاف الإمارات التي بنت نموذجًا متنوع المصادر، ظلّ الاعتماد السعودي الأكبر على الشراكة الدفاعية الأميركية، مع اتجاه متزايد نحو توطين بعض الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030.

التطبيع وتحوّل البنية الدفاعية

منذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، لم يعد التطبيع ملفًا دبلوماسيًا باردًا يُقاس بعدد الرحلات الجوية أو حجم التبادل التجاري. في الحالة الإماراتية تحديدًا، بدأ يتحول تدريجيًا إلى عنصر داخل المعادلة الدفاعية نفسها.

أحد التحولات الأكثر حساسية في المشهد الخليجي تمثل في إدماج تقنيات وأنظمة إسرائيلية متقدمة ضمن بعض الشبكات الدفاعية. فالتقارب الذي أعقب الاتفاقيات لم يقتصر على العلاقات الاقتصادية أو الرمزية السياسية، بل امتد إلى مجالات الدفاع الجوي، والإنذار المبكر، والأمن السيبراني.

بهذا المعنى، لم يعد التطبيع خيارًا سياسيًا منفصلًا، بل أصبح أداة ضمن إعادة هندسة البيئة الأمنية في المنطقة. فالتعاون الدفاعي بين أبوظبي وتل أبيب  سواء عبر أنظمة اعتراض أو تبادل بيانات أو تنسيق إنذار مبكر  يعكس إدراكًا بأن “التهديدات العابرة للحدود”، وفي مقدمتها الصواريخ الباليستية والمسيّرات القادمة من اليمن وإيران، لا يمكن احتواؤها بمنطق “الدفاع الوطني المنعزل”.

هذا التحول يمثل انتقالًا من إدارة الصراع إلى إعادة تموضع في خرائط الاصطفاف. فحين يصبح التعاون الدفاعي علنيًا ومؤسسًا، قد يتحول التطبيع من خيار سياسي إلى ركيزة أمنية، ويكتسب وزنًا يتجاوز الرمزية لأنظمة ليس لها تاريخ طويل في الحروب.

سياسيًا، نحن أمام انتقال من مفهوم “الأمن الوطني المنفرد” إلى “الأمن الشبكي”، حيث تتداخل أنظمة الرادار والاعتراض والمعلومات ضمن تحالفات غير تقليدية. وهو ما يعيد رسم خطوط الاصطفاف الإقليمي: من انقسام عربي–إسرائيلي تقليدي، إلى معادلة جديدة عنوانها مواجهة إيران في مقابل محور المقاومة.

غير أن هذا المسار لا يخلو من كلفة سياسية. فتعزيز البنية الدفاعية عبر التعاون مع إسرائيل يعمّق الاستقطاب، ويضع دولًا أخرى أمام خيارات معقدة: الانخراط في منظومات ردع مشتركة، أو البقاء خارج شبكة التنسيق الأمني الجديدة. كما يطرح سؤالًا أكبر: هل يتوسع هذا النموذج ليشمل دولًا في شمال أفريقيا أو شرق المتوسط؟ أم سيظل محصورًا في حسابات براغماتية مرتبطة بالتهديد المباشر؟

في كل الأحوال، لم يعد التطبيع مجرد عنوان سياسي مثير للجدل، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في معادلة الردع، يغيّر موازين التعاون العسكري، ويعيد تعريف مفهوم “التهديد المشترك” في الشرق الأوسط. والأهم من ذلك، أنه قد يكون أحد المؤشرات المبكرة على تشكّل نظام إقليمي جديد، تُبنى توازناته لا على الشعارات الأيديولوجية، بل على تقاطعات المصالح الأمنية الصلبة

توازن الردع مع إيران: الدفاع كرسالة سياسية

بعيدًا عن الجوانب التقنية، يرتبط سباق الدفاعات الجوية في الخليج مباشرة بمعادلة الردع مع إيران. فطهران طوّرت خلال العقدين الأخيرين ترسانة صاروخية ومسيّرات منخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير، تُستخدم كأداة ضغط استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري إلى البعد السياسي.

طائرة مسيّرة إيرانية خلال معرض دفاعي في طهران (أرشيف – وكالات)
طائرة مسيّرة إيرانية خلال معرض دفاعي في طهران (أرشيف – وكالات)

في هذا السياق، لا يُفهم الاستثمار الخليجي في أنظمة الاعتراض على أنه حماية فقط، بل رسالة مزدوجة: أولًا إلى إيران بأن كلفة الهجوم لم تعد منخفضة أو مضمونة النتائج؛ وثانيًا إلى الحلفاء الدوليين بأن دول الخليج قادرة على بناء قدرة ذاتية للصمود، لا الاكتفاء بالاعتماد على المظلات الخارجية.

غير أن معادلة الردع تبقى مفتوحة. فكلما تطورت منظومات الدفاع، تطورت في المقابل وسائل الاختراق: هجمات مشبعة بعدد كبير من المسيّرات، صواريخ منخفضة الارتفاع، أو أدوات حرب إلكترونية. وبالتالي، لا يتعلق الأمر بامتلاك النظام الأقوى فقط، بل بفرض كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة على أي مغامرة هجومية.

الدفاع هنا ليس إنهاءً للتهديد، بل إعادة ضبط لحدود المخاطرة. إنه هندسة توازن هشّ، يقوم على منع الانفجار الشامل دون القدرة على إزالة مسبباته بالكامل.

هل تغيّر ميزان القوة؟

لا يمكن الجزم بأن الخليج بات محصّنًا بالكامل، كما لا يمكن القول إن إيران فقدت ورقتها الصاروخية. لكن ما تغيّر فعليًا هو طبيعة اللعبة ذاتها. فبعد أن كانت بيئة الهجوم تقوم على عنصر المفاجأة وانخفاض الكلفة، أصبح أي تصعيد محتمل يمرّ عبر حسابات أكثر تعقيدًا: قدرة على الاعتراض، احتمالات الفشل، كلفة سياسية، وتداعيات إقليمية أوسع.

إن الانتقال من منظومات دفاعية منفردة إلى بنى متعددة الطبقات  تجمع بين الاعتراض العالي والمتوسط والدفاع النقطي  لا يُلغي التهديد، لكنه يرفع كلفته ويُربك حساباته.

لم تعد الضربة الصاروخية حدثًا أحادي الاتجاه، بل جزءًا من معادلة تتداخل فيها التكنولوجيا والسياسة والردع المتبادل.

غير أن هذه المعادلة تبقى مفتوحة. فكل تطور في أنظمة الاعتراض يقابله تطور في وسائل الاختراق: هجمات مشبعة بعدد كبير من المسيّرات، صواريخ منخفضة التحليق، أو أدوات حرب إلكترونية. وبالتالي، لا يتعلق الأمر بامتلاك النظام الأقوى فقط، بل بقدرة كل طرف على فرض كلفة مرتفعة تمنع الآخر من تحويل التهديد إلى قرار فعلي.

أخيرا، لا تبدو معركة السماء في الخليج حربًا تقليدية بقدر ما هي سباق إرادات طويل النفس. فبينما تراكمُ إيران أدوات ضغطها الصاروخية والمسيّرات منخفضة الكلفة، تراكم دول الخليج طبقات اعتراضها، في محاولة لإعادة تعريف كلفة المغامرة العسكرية.

غير أن الدفاع، مهما بلغ تعقيده، لا يُنهي التهديد بل يعيد ضبط حدوده. إنه لا يُسقط الصراع، بل يؤجله أو يرفعه إلى مستوى أكثر كلفة. وفي هذه المعادلة، يصبح الردع أقل يقينًا وأكثر هشاشة، قائمًا على توازن دقيق بين القدرة على الاعتراض والقدرة على التحمل.

السؤال لم يعد: من يمتلك الصاروخ الأطول مدى؟ بل: من يستطيع فرض كلفة سياسية وعسكرية تمنع الآخر من الضغط على الزناد؟ وفي هذا الفراغ الحساس بين الضربة والاعتراض، لا يُعاد فقط اختبار فعالية الصواريخ وأنظمة الدفاع، بل تُعاد صياغة ميزان القوة في الشرق الأوسط بأكمله. فكل ضربة تحمل في طياتها كلفة تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والاستقرار الداخلي والتحالفات الإقليمية.

ومع انضمام الجبهة اللبنانية إلى مسار التصعيد، اتسعت دائرة المخاطر. لم يعد الصراع محصورًا في معادلة ثنائية، بل بات متعدد الجبهات، حيث تتداخل الحسابات اللبنانية الداخلية مع التوازنات الإيرانية والإسرائيلية، وتُستدرج أطراف إقليمية أخرى إلى دائرة الضغط أو الردع.

في هذا السياق، لا تُقاس الحرب فقط بعدد الصواريخ المعترَضة أو المُصابة، بل بكلفة الاستنزاف الطويل، وبقدرة الدول على تحمّل اهتزاز الأسواق، وضغط الرأي العام، وتآكل الشرعية السياسية. وهنا يصبح القرار العسكري أقل اندفاعًا وأكثر برودة، لأن كل خطوة قد تفتح جبهة لا يمكن التحكم بمآلاتها.

لهذا، فإن ميزان القوة لا يُرسم في ساحات القتال المعلنة فقط، بل في حسابات القرار البارد: من يتحمّل كلفة التصعيد؟ ومن يملك ترف التراجع؟ ومن يخاطر بانزلاق إقليمي لا يمكن احتواؤه بسهولة؟

*********

المصادر

كُتب هذا المقال معزّزًا بمصادر البيانات المفتوحة منشورة حتى تاريخ التشر استنادًا إلى:


-بيانات وإخطارات رسمية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية ووكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية (DSCA) بشأن صفقات منظومات الدفاع الجوي.


-تقارير تحليلية منشورة في L’Orient-Le Jour حول منظومة THAAD والسياق الإقليمي.


-الدستور الأردنية – “الإمارات أول دولة في العالم تحصل على منظومة صواريخ ثاد (THAAD)”.


-العربية نت – تقارير حول صفقة نظام THAAD للسعودية (2017).

-Asharq.com – “أمريكا توافق على صفقة محتملة لصواريخ للسعودية”.
-تقارير إعلامية متخصصة تناولت أنظمة Patriot PAC-3 وPantsir-S1 وBarak-8 وM-SAM في سياق التوازن الإقليمي.

-L’Orient-Le Jour – تقرير تحليلي حول منظومة THAAD والسياق الإقليمي:

 

كاتب

  • مؤسسة ومديرة موقع تونس ميديا، أستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار صحافية استقصائية، متخصصة في تحقيقات قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان مدربة في الصحافة وقضايا الجندر ومكافحة الأخبار الزائفة.

    View all posts

خولة بوكريم

مؤسسة ومديرة موقع تونس ميديا، أستاذية في الصحافة وعلوم الأخبار صحافية استقصائية، متخصصة في تحقيقات قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان مدربة في الصحافة وقضايا الجندر ومكافحة الأخبار الزائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى