تقاريرعالمية

البيش : مارس 2025، شهدت المناطق الساحلية السورية واحدة من أخطر موجات العنف الطائفية منذ بدء المرحلة الانتقالية

أصبحت تلك الأيام تُعرف باسم «مارس الأسود»، رمزًا لعنف جماعي وعواقب إنسانية مدمّرة

مقال للطبيب و الباحث السياسي السوري الدكتور علي البيش

مارس الأسود 2025: العدالة والذاكرة وحماية العلويين في سوريا
بين 7 و9 مارس 2025، شهدت المناطق الساحلية السورية — وخاصة اللاذقية وطرطوس وأجزاء من حماة — واحدة من أخطر موجات العنف الطائفية منذ بدء المرحلة الانتقالية في البلاد. وبالنسبة للأقلية العلوية في سوريا، أصبحت تلك الأيام تُعرف باسم «مارس الأسود»، رمزًا لعنف جماعي وعواقب إنسانية مدمّرة.
وفقًا للتحقيقات الدولية والتوثيق المستقل، بلغ إجمالي عدد الضحايا الموثق عالميًا ما يزيد على 1,562 قتيلًا — معظمهم من المدنيين العلويين وأعداد كبيرة من النساء والأطفال وكبار السن — في سلسلة عمليات قتل وحشية ارتكبت على أساس الهوية والانتماء المجتمعي.
أقلية في مواجهة الخطر خلال الانتقال السياسي
المرحلة الانتقالية في سوريا جاءت في ظل هشاشة استراتيجية: ضعف مؤسسات الدولة، غياب هيكل أمني واضح، وتصاعد رواسب الكراهية والاستهداف على أساس الهوية. في هذا المناخ، باتت الأقليات عرضة للاتهامات الجماعية والعقاب الجماهيري والمذابح الانتقامية.
وتشير تقارير متعددة إلى أن عائلات كاملة قُتلت، ومنازل أُحرقت ونهبت، وعُمّ القلق المجتمع العلوي بشدة. ومع استمرار غياب المساءلة السريعة والشفافة، يتعزز الشعور بالظلم والصدمة لدى الناجين. والمسألة هنا ليست مجرد رقم؛ بل ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها في مرحلة إعادة بناء ما تبقى من النسيج الوطني.
الاحتجاز التعسفي وانتهاكات الإجراءات القانونية
في أعقاب موجات العنف، أبدت منظمات حقوق الإنسان مخاوفها من عشرات الآلاف (حتى 30 ألف) من حالات الاحتجاز دون تهم واضحة أو إجراءات قانونية عادلة، في ما يبدو نمطًا متكررًا من الاعتقالات خارج إطار القانون، ما يقوض مبادئ العدالة وسيادة القانون. يجب أن تكون أي مساءلة عن الجرائم فردية، قائمة على الأدلة، وغير مبنية على الانتماء المجتمعي.
اختطاف النساء: بين الوثائق والإنكار
من بين أخطر الادعاءات التي برزت في سياق أحداث آذار 2025 تقارير عن اختطاف نساء وفتيات علويات. وثّقت منظمات حقوقية دولية حالات مؤكدة من الاختطاف (44 حالة)، بينما أشارت شبكات محلية إلى أعداد أعلى (213 حالة) — بما في ذلك المئات من النساء اللواتي فقدن منذ بدء العنف، وتبقى كثيرات في عداد المفقودين دون تحقيقات شفافة. إن اختفاء أي شخص دون تحقيق مستقل وشفاف يُعد انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، ويضيف طبقة من الألم والمعاناة لأسر الضحايا.
رابطة العلويين السوريين في أوروبا: جسر إنساني للتعافي
في خضم هذه الظروف الإنسانية العصيبة، برزت منظمات مجتمع مدني تعمل على ترسيخ قيم العمل الإغاثي غير السياسي، من بينها رابطة العلويين السوريين في أوروبا. تعمل الرابطة كمنظمة إنسانية إغاثية غير ربحية تهدف إلى توحيد جهود العلويين في الشتات وداخل سوريا لنشر ثقافة العمل المدني ودعم المجتمعات المتضررة.
من مشاريعها الرئيسية:
● مشروع كفالة يتيم: يسعى لإيجاد كفالات للأيتام الذين فقدوا عائلاتهم في مجازر آذار الأسود، بهدف تخفيف العبء النفسي والاقتصادي عليهم.
● مشروع درب رزق: يدعم إقامة مشاريع صغيرة في الساحل السوري لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي وتمكين الناجين من كسب عيشهم.
● مشروع إعادة تشجير الأراضي المتضررة: يعمل على استعادة المساحات التي أصابتها حرائق في اللاذقية وطرطوس.
● مشاريع إغاثية واسعة: تشمل دعم أسر الشهداء مادياً ومعنوياً ومساعدتهم في مختلف مناحي الحياة، بما في ذلك الصحة والتعليم والمأوى.
هذه الجهود تُظهر أن العمل المدني وحده يمكن أن يكون منصة للتعافي الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين المكونات السورية المتنوعة.
مسؤولية السلطات الانتقالية: العدالة حماية للجميع
المرحلة الحالية في سوريا تُعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطات الانتقالية على القيام بدورها في حماية جميع المواطنين بلا استثناء. حماية الأقليات ليست خيارًا، بل ركيزة أساسية لأي عملية انتقالية ناجحة.
ومن بين المطالب الأساسية:
● نشر قوائم الضحايا الموثّقة بشفافية كاملة.
● إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في مجازر آذار الأسود.
● مراجعة قضائية عادلة لملفات المحتجزين.
● فتح تحقيقات شاملة في حالات الاختطاف المبلغ عنها.
● التعاون الكامل مع آليات حقوق الإنسان الدولية.
الذاكرة والعدالة والمواطنة المتساوية
الدفاع عن العدالة لضحايا آذار الأسود ليس فعلًا طائفيًا، بل تأكيد على قيم العدالة والمواطنة المتساوية. فحين يشعر أي مجتمع بأنه غير آمن بسبب هويته، تتحول المصالحة إلى مجرد خطاب بلا أثر.
إن كانت التحقيقات موثوقة، وسيُعاد النظر في الاحتجازات بشكل قانوني، وسيتم التحقيق في حالات الاختفاء بجدية، فقد يتحول آذار 2025 إلى نقطة انطلاق نحو مواطنة متساوية في سوريا. أما إذا تُركت هذه القضايا دون حل، فقد يصبح إرثها فصلًا آخر من الصدمات غير المعالجة في تاريخ البلاد.
لن يُبنى مستقبل سوريا بالصمت، بل حين يطمئن كل مجتمع — أغلبيّة أو أقلية — إلى أن الدولة تحمي الجميع على قدم المساواة تحت القانون. عندها فقط يمكن للذاكرة أن تتعايش مع السلام

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى