الأخباروطنية

الجلاصي من سجنه: “كلفة القطيعة كانت باهظة و آثارها ما تزال ماثلة في الانقسامات الفكرية والسياسية “

الأزمة ليست في الاختلاف ذاته، بل في غياب التعارف والحوار

نشر السجين السياسي عبد الحميد الجلاصي رسالة كتبها خلال شهر ديسمبر 2025 من سجنه بالمرناقية، عبّر من خلالها عن تقديره لمواقف سناء بن عاشور في الدفاع عن الحقوق والحريات، كما استعاد فيها سيرة والدها العلّامة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، متخذًا منها مدخلًا للتفكير في إشكاليات العلاقة بين التراث والدولة، والدين والسياسة، في تونس المعاصرة.

الرسالة، التي كُتبت قبل الحملة الأخيرة التي طالت بن عاشور وعددًا من الجامعيين، لم تكن مجرّد تحية شخصية، بل جاءت أقرب إلى شهادة فكرية وسياسية تستحضر جيلًا من علماء الإصلاح الزيتوني، وتقارن بين تجربتين بارزتين: الإمام محمد الطاهر بن عاشور ونجله الشيخ محمد الفاضل بن عاشور.

يستعيد الجلاصي تجربته في السجن، حيث تفرّغ لفترة طويلة لقراءة «التحرير والتنوير»، مشيرًا إلى أنه خاض إضراب جوع طلبًا للعزلة حتى يتسنّى له التعمّق في دراسة التفسير وكتب المقاصد وأمهات الفكر الإسلامي. ويؤكد احتفاظه بنسخ من هذه الأعمال، في دلالة على حضورها العميق في تكوينه الفكري.

غير أن اكتشافه الأبرز، كما يروي، كان من خلال مؤلفات الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، وخاصة «ومضات فكر»، حيث وجد نموذجًا لعالم زيتوني جمع بين الرسوخ العلمي والوعي السياسي، وبين البلاغة الأدبية والانخراط في قضايا عصره. وقد كتب عنه دراسة داخل السجن، ضاعت قبل خروجه، في صورة تختزل قسوة التجربة وحرارة الانشغال بالفكر.

وتتوقف الرسالة عند الفارق بين منهجين في التعامل مع الحداثة وبناء الدولة: منهج القطيعة مع التراث الذي تبنّته أطراف نافذة في الحركة الوطنية، ومنهج التدرّج والإصلاح من الداخل الذي اختاره الشيخ الفاضل بن عاشور، سعيًا إلى حماية مؤسسات الهوية، وفي مقدّمتها جامع الزيتونة، والتأثير في مسار الدولة الناشئة دون صدام شامل.

ويرى الجلاصي أن كلفة القطيعة كانت باهظة، وأن آثارها ما تزال ماثلة في الانقسامات الفكرية والسياسية التي تعيشها البلاد، تمامًا كما فعل الاستبداد الذي عمّق الشروخ بين مكوّنات المجتمع.

وتنتهي الرسالة بدعوة صريحة إلى ما سمّاه «ديمقراطية التعايش السمح والتنافس الشريف»، معتبرًا أن الأزمة ليست في الاختلاف ذاته، بل في غياب التعارف والحوار، وأن السياسة يمكن أن تكون أداة لتنظيم الصراع سلميًا بدل تحويله إلى إقصاء متبادل.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى