الأخبارحقوق

عبّو لتوميديا: “تونس تعيش اليوم وضعاً خطيراً وغير مسبوق فيما يتعلق بحقوق المساجين السياسيين وحقوق الدفاع”

ما يحصل داخل السجون، وخاصة في ما يخص الزيارات وبطاقات الزيارة، يمثل انحداراً حاداً وخرقاً واضحاً للقانون، ويمسّ من هيبة الدولة ومصداقيتها

قال المحامي والوزير السابق محمد عبّو في تصريح لتوميديا مساء اليوم الاربعاء 7 جانفي 2025 إن تونس تعيش اليوم وضعاً خطيراً وغير مسبوق فيما يتعلق بحقوق المساجين السياسيين وحقوق الدفاع، محذّراً من أن ما يحصل داخل السجون، وخاصة في ما يخص الزيارات وبطاقات الزيارة، يمثل انحداراً حاداً وخرقاً واضحاً للقانون، ويمسّ من هيبة الدولة ومصداقيتها.

وأوضح عبّو أن الإشكال بدأ منذ أشهر بمحاولات تقييد الزيارات القانونية، حيث تم فرض بطاقات زيارة محدودة المدة لا تتجاوز خمسة عشر يوما، قبل أن تتطور الأمور إلى تضييق أشدّ وأوسع، بلغ حدّ منع بعض المحامين من الحصول على بطاقات زيارة لمنوّبيهم دون أي مبرر قانوني. واعتبر أن هذه القرارات لا تصدر عن اجتهاد قانوني، بل عن تعليمات سياسية تمرّ عبر الوكالة العامة ووزارة العدل، ويتم تنفيذها من قبل النيابة العمومية والقضاء الجالس على حدّ سواء.

وأشار عبّو إلى أن وزارة العدل، منذ دخولها على خط هذا الملف، اختارت منطق التضييق، مؤكداً أن القضاء في وضعه الحالي لم يعد مستقلاً، بل يخضع لتعليمات واضحة، وهو ما انعكس مباشرة على حقوق الدفاع. وأضاف أن التضييق بلغ في فترات سابقة حدّ السماح بزيارة محاميين فقط لنفس المتهم، ثم تطور اليوم إلى السماح بمحام واحد فقط، بل ومنع الزيارة أحياناً كلياً.

وكشف عبّو أن بعض المحامين مُنعوا من زيارة منوّبيهم حتى عندما كان الهدف إنسانياً بحتاً، مثل محاولة إقناع سجين مضرب عن الطعام بإيقاف إضرابه، معتبراً أن منع مثل هذه الزيارات يرقى إلى تعريض حياة السجناء للخطر عمداً.

وتساءل عبّو : «هل يُعقل أن يُمنع محام من زيارة سجين فقط لأنه يريد إنقاذ حياته؟ وهل تنتظر السلطة أن يموت أحد داخل السجن؟».

وبيّن أن عدداً كبيراً من المحامين وقّعوا على مراسلات رسمية ووجّهوها إلى عميد المحامين وإلى الوكيل العام، مطالبين بتطبيق القانون واحترام حقوق الدفاع، والتذكير بالنصوص القانونية المنظمة للزيارات، إلا أن أي رد لم يصدر إلى اليوم.

وذكّر عبّو بأنه حتى في عهد نظام بن علي، ورغم كل ما شابه من تجاوزات، كانت مثل هذه الإشكالات تُحلّ بسرعة أكبر، وكان لعميد المحامين دور فعلي في التدخل، وهو ما يعكس، بحسبه، درجة الانهيار الحالية.

وأكد عبّو أن ما يحدث اليوم لا يمكن تبريره بادعاء القوة أو الحزم، معتبراً أن هذا المسار لا يعكس قوة الدولة بل إهانتها، ويضرب ثقة المواطنين، وكذلك الأجانب، في تونس كبلد قانون ومؤسسات. وأضاف أن التضييق على المحامين وعلى حقوق المتهمين يسيء مباشرة إلى صورة الدولة، ويشكّل ضرباً لكل مقوماتها وثقة الناس فيها.

وتطرق عبّو إلى الوضع الصحي والإنساني للمساجين السياسيين، مذكّراً بأن أغلبهم في سن متقدمة، ويعانون من أمراض مزمنة أو من أوضاع صحية هشّة حتى قبل إيقافهم.

وأكد أن ظروف السجون في تونس معروفة بصعوبتها، وأن الإمكانيات الصحية داخلها محدودة جداً، ما يجعل أي إضراب عن الطعام أو إهمال صحي تهديداً مباشراً للحياة.

وفي هذا السياق، أشار عبّو إلى حالات بعينها، مثل حالة أحمد صواب وغيره من المساجين السياسيين الذين أُوقفوا في قضايا وصفها بأنها «قابلة للحل والتفاهم»، لكن السلطة اختارت الزجّ بهم في السجن بتعليمات سياسية، دون اكتراث بالتبعات.

كما تحدث عن معاناة سجناء آخرين، من بينهم شخصيات معروفة، تعاني من مشاكل صحية خطيرة، مؤكداً أن السلطة تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي تدهور أو وفاة قد تحصل.

واعتبر عبّو أن ما يُسمّى بقضايا «المؤامرة» وغيرها من الملفات الثقيلة لا تعدو أن تكون تفاهات قانونية تم تضخيمها بقرار سياسي، وأن الزجّ بالناس في السجن على هذا الأساس، بمن فيهم سياسيون وشخصيات عامة، هو اعتقال تعسفي صريح.

وأضاف أن أي وفاة داخل السجن في هذا السياق ستُحسب على أنها نتيجة مباشرة لهذا الاعتقال التعسفي.

وشدّد عبّو على أن النظام الحالي لا يبدو معنياً بحساب الخسائر أو التبعات، سواء داخلياً أو خارجياً، محذّراً من أن وفاة سجين سياسي واحد قد تكون لها تداعيات خطيرة على البلاد بأسرها.

وقال إن الخطاب السائد اليوم يقوم على منطق «عندي القوة وأفعل ما أشاء»، لكن التاريخ أثبت أن هذا المنطق لا يدوم، وأن من مارسوا الظلم في فترات سابقة حوسبوا أو انتهى بهم الأمر إلى الزوال.

وختم محمد عبّو تصريحه بالتأكيد على أن الحل ليس تفاوضياً ولا ظرفياً، بل قانوني بحت، داعياً إلى استكمال تطبيق القانون واحترامه، والكفّ عن إدارة البلاد بالتعليمات. واعتبر أن تونس تعيش اليوم حالة انهيار شامل لكل المؤسسات والمكاسب التي راكمتها منذ الاستقلال وبعد الثورة، محذّراً من أن الاستمرار في هذا النهج سيقود إلى مزيد من التدهور وفقدان المصداقية، داخلياً وخارجياً.

Authors

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى