يتصاعد القمع في إيران، في اليوم العاشر من حركة احتجاجية اندلعت على خلفية التضخم المفرط. وقد أُوقف أو أُصيب مئات المتظاهرين، بينهم عدد كبير من القاصرين، فيما تتواصل التعبئة في مختلف أنحاء البلاد، وتتجه نحو مزيد من التصعيد في مواجهة قوات الأمن وفق قناة فرنسا 24.
كيميا حداديان (17 عاما)، كوروش خيري (13 عاما)، وأمير حسين كريمبور (16 عاما)… ثلاثة أسماء من بين عشرات تظهر على صفحة الصحافية الإيرانية نازيلا معروفیان في إنستاغرام، حيث تتوالى صور متظاهرين إيرانيين في سن صغيرة، يُعتقد أنهم اعتُقلوا على يد قوات الأمن الإيرانية.
وتكتب الصحافية عن فتاة أخرى فُقد أثرها: “أُصيبت هذه الطفلة بالرصاص، ويبدو أنها اعتُقلت خلال المظاهرات في منطقة نازي آباد (طهران)، قرابة الساعة الثامنة مساء، في 4 جانفي 2026”. وتضيف بشأن سوغند منصوري، البالغة من العمر 14 عاما: “كانت ترتدي سترة رمادية، ولا تتوفر حتى الآن أي معلومات عن وضعها الصحي أو مكان احتجازها. (…) إذا كان لدى أي شخص معلومات عنها، نرجو إبلاغنا فورا”.
نازيلا معروفیان، البالغة 25 عاما، لاجئة في فرنسا منذ عام 2023، سبق أن اعتقلت في عام 2022 خلال موجة الاحتجاجات الكبرى التي أعقبت وفاة مهسا أميني، لا سيما بعد إجرائها مقابلة مع والد الشابة الإيرانية التي توفيت عقب توقيفها من قبل شرطة الأخلاق بسبب “سوء ارتداء الحجاب”.
ومن باريس، تواصل الصحافية، التي تبقى على تواصل مع المحتجين داخل إيران، نقل أخبار هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات، في وقت كثفت فيه قوات الأمن الإيرانية عملياتها لقمع المتظاهرين.
انطلقت هذه الحركة الاجتماعية في 28 ديسمبر، مع إضراب كبار التجار في طهران ومدن كبرى أخرى، احتجاجا على التضخم المفرط وتدهور الأوضاع الاقتصادية. لكنها سرعان ما اتخذت منحى سياسيا، مع تصاعد هتافات تطالب بسقوط الجمهورية الإسلامية.
وامتدت الاحتجاجات لاحقا إلى الجامعات، فيما ينزل عدد متزايد من الشباب الإيرانيين إلى الشوارع يوميا. ويؤكد اتحاد المعلمين الإيرانيين، من جهته، اعتقال عدد من طلاب المدارس الثانوية “بعنف” في مناطق عدة من البلاد، في حين لا تزال عائلاتهم من دون أي أخبار عنهم.
وأعربت منظمة “إيران حقوق الإنسان” غير الحكومية (IHRNGO)، ومقرها النرويج، في بيان لها، عن قلقها إزاء مصير المتظاهرين صغار السن الذين تم توقيفهم، ولا سيما القاصرين. وذكرت المنظمة أن عددا منهم محتجزون في السجن المركزي بأصفهان، حيث نقل أكثر من 150 شخصا. وقد أُصيب عدد من المعتقلين بجروح ونقلوا إلى عيادة السجن، من بينهم ثلاثة مراهقين: سروش أزرمهر (16 عاما)، وبيام أمين زاده (17 عاما)، وسامان شهامت (16 عاما)، الذين كانوا قد أوقفوا في الوقت الذين كانوا يعانون فيه بإصابات في الرأس والظهر.
وفي سجن مدينة قم، المدينة المحافظة التي تعد مهد الجامعات الدينية وتقع بجنوب طهران، فقد مراهق يبلغ 17 عاما، يدعى سروش جاويدي، وعيه إثر نزيف حاد. وتحذر المنظمة من أنه “لا يُعرف ما إذا كان قد تلقى الرعاية الطبية اللازمة بعد إدخاله إلى عيادة السجن”. وتشير أيضا إلى أنه “في 3 كانون الثاني/يناير، نقل نحو مئة معتقل إلى السجن المركزي في قم، حيث جرى حشرهم جميعا في قاعة واحدة”.
وبحسب حصيلة نشرتها منظمة “وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان” (HRANA) غير الحكومية، ومقرها الولايات المتحدة، في 4 جانفي، فقد جرى اعتقال نحو 990 شخصا منذ بدء الاحتجاجات في 28 ديسمبر. وتشير البيانات الرسمية إلى مقتل ما لا يقل عن 12 شخصا، بينهم عناصر من قوات الأمن.
غير أن منظمة إيران هيومن رايتس” تقدر أن الحصيلة أعلى من ذلك بكثير، إذ قالت بعد عشرة أيام على بدء الاحتجاجات إن “27 متظاهرا على الأقل قُتلوا بطلقات نارية وبأشكال أخرى من العنف الذي مارسته قوات الأمن في ثماني محافظات. وقد تم التثبّت من أن خمسة من القتلى هم أطفال”، مشيرة إلى أن أكثر من ألف شخص تم اعتقالهم.
ووفقًا للمنظمة “إيران حقوق الإنسان”، استُخدمت بندقيات كلاشنيكوف أيه كيه 47 (AK-47)، وترجح أيضا استخدام رشاشات ثقيلة من طراز دي أس أش كاي، في قمع سكان نزلوا إلى الشوارع في 3 جانفي في مقاطعة مالك شاهي، وهي منطقة ذات غالبية كردية. كما أُصيب وأوقف مئات الأشخاص في أنحاء متفرقة من البلاد، بحسب منظمة “إيران حقوق الإنسان”.
وبحسب إحصاء أجرته وكالة الأنباء الفرنسية استنادا إلى بيانات رسمية وتقارير إعلامية، فإن الاحتجاجات طالت، بدرجات متفاوتة، ما لا يقل عن 45 مدينة، معظمها مدن صغيرة ومتوسطة الحجم، وتقع أساسا في غرب إيران.
وباتت 25 محافظة من أصل 31 في البلاد معنية بالحراك.
ويقول مراسل فرانس24 في إيران، سيافوش غازي: “في كل مرة، يشارك في المظاهرات عشرات أو مئات الأشخاص فقط، لكن الحركة تتوسع، وتنتشر، وتزداد راديكالية يوما بعد يوم”.
وفي مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع، يظهر متظاهرون في مدينة همدان، بغرب إيران، بينهم عديد النساء، وهم يهاجمون في 4 كانون الثاني/يناير عنصرا من الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني، بعدما أطلق النار عليهم. ويُظهر المقطع كيف انقض عيله عديد المتظاهرين وجردوه من سلاحه، فيما كان بعضهم يتدخلون لحمايته من التعرض للقتل تحت الضرب.
وتظهر مقاطع أخرى متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي مشاهد مشابهة، حيث لم يعد المحتجون يخشون الاشتباك مع عناصر القمع، فيرشقون شرطة مكافحة الشغب بالحجارة، أو يلقون البنزين على أحد عناصر الميليشيا قبل إحراقه وهو يركب دراجته النارية.
وفي بعض الأحيان، يركع المتظاهرون في الشارع كإشارة احتجاج سلمي أمام دراجات قوات الأمن، بدون خشية من أن يتم إيقافهم.
من جهته، أعلن رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، يوم الإثنين 5 جانفي، أنه لن يكون هناك “أي تساهل” مع “مثيري الشغب”، مع إقراره في الوقت نفسه بحق المواطنين المشروع في التظاهر للمطالبة بحقوق اقتصادية.




