مشروع تنقيح قانون البنك المركزي/ البديل المقبول للقانون الحالي من وجهة نظر اقتصادية
خبراء إقتصاديون بين الدعوة إلى إلغاء القانون الحالي والعودة إلى قانون 1958 أو تضمين مشروع التنقيح للمسؤولية المشتركة بين الدولة والبنك المركزي في تحديد نسب النمو والتحكم في التضخم

منذ إعلان رئيس الجمهورية عزمه تقديم مشروع قانون لتنقيح القانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلّق بضبط النّظام الأساسي للبنك المركزي التونسي. خلال لقاء له مع محافظ البنك المركزي فتحي زهير النّوري. والمساعي تبدو حثيثة من جميع الأطراف المتداخلة للتسريع في هذه الخطوة.
لكن قبل الخوض في ماهية التنقيحات الجديدة واستتباعاتها المالية والاقتصادية, لابد من التذكير ببعض ما جاء في فصول القانون الحالي الذي سيقع إدخال تنقيحات عليه.
القانون الحالي المعمول به وقع المصادقة عليه في 11 من أفريل سنة 2016 و المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي. الذي وقع تعريفه في ديباجة القانون بأن البنك المركزي هو مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وهو مستقل في تحقيق أهدافه ومباشرة مهامه والتصرف في موارده. كما أنه يخضع للمتابعة والمساءلة من قبل مجلس نواب الشعب في ما يتعلق بتحقيق أهدافه و بمباشرة مهامه حسبما يقتضيه الفصل 80 من هذا القانون.
كما حدد القانون الحالي عدة أهداف للبنك المركزي من بينها “تنظيم شروط ممارسة العمليات البنكية وكيفية الرقابة على البنوك والمؤسسات المالية بغرض الحفاظ على متانتها وحماية المودعين ومستعملي الخدمات البنكية بما يساهم في حسن سير القطاع البنكي وتحقيق الاستقرار المالي”. و “تنطبق أحكام هذا القانون على البنوك والمؤسسات المالية التي تمارس نشاطها بالبلاد التونسية بما في ذلك البنوك والمؤسسات المالية غير المقيمة على معنى التشريع المتعلق بالصرف”.
كما ورد في الفصل السابع من القانون الداخلي للبنك المركزي عدة أهداف أبرزها:
– الحفاظ على استقرار الأسعار
– الحفاظ على الاستقرار المالي بما يدعم تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية للدولة بما في ذلك في مجالي النمو والتشغيل
– يعمل البنك المركزي من أجل تنسيق أمثل بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية للدولة
– ضبط السياسة النقدية وتطبيقها، وتطبيق القوانين والتراتيب المتعلقة بالصرف
– مسك احتياطيات الصرف والذهب والتصرف فيها
– العمل على ضمان استقرار أنظمة الدفع ونجاعتها وسلامتها مع مراعاة خصوصيات الصيرفة الإسلامية
– الرقابة على البنوك والمؤسسات المالية وتعديل النشاط البنكي
– إصدار العملة وتعهدها وتسهيل تداولها بالبلاد التونسية
– الاضطلاع بدور وكيل الخزينة والوكيل المالي للدولة والمستشار المالي للحكومة وإبداء الرأي في المسائل الاقتصادية والمالية إذا طلب منه ذلك
– تجميع كل المعطيات التي لها علاقة بمباشرة مهامه والتصرف فيها
– المساهمة في ضبط وتنفيذ السياسة الاحترازية الكلية بغرض التوقي من الخطر النظامي والحد منها و العمل على حماية مستعملي الخدمات المصرفية
هذا القانون اعتبر بعد مسار 25 جويلية 2021, لا يتناسب مع تطلعات الدولة و سعيها لإحداث نقلة نوعية في المجال الاقتصادي, حيث اتُهم القانون بأنه فصل عمل البنك المركزي عن توجهات الحكومة وحاجياتها لدفع الإقتصاد ومكبل لاختياراتها. وهو ما دعا إلى فكرة تنقيح بعض فصوله.
نواب البرلمان تقدموا بمبادرة تشريعية تهدف لإجراء تعديلات ضمن القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي تتعلق بإعادة النظر في دوره فيما يتصل بالقرارات الخاصة بتعديل سعر الفائدة وسياسة الصرف والتمويل المباشر الخزينة الدولة.
وأظهر مشروع قانون وجه الى مجلس نواب الشعب بتاريخ 17 أكتوبر 2014. مقترحاً يغير من مستوى السلطة التي حصل عليها البنك المركزي التونسي بمقتضى القانون الأساسي البنك الجاري به العمل منذ عام 2016، وعليه سيقوم البنك المركزي وفق التنقيح المقترح بشراء أذون وسندات الطريقة التي تملكها البنوك وتمويل احتياجات السيولة على المدى المتوسط أو البعيد، كما يتعين على البنك المركزي شراء سندات الخزينة من البنوك وإقراض الدولة بشكل مباشر بآمال سداد تتجاوز خمس سنوات.
رئيسة الحكومة الجديدة سارة الزعفراني الزنزري بدورها عقدت جلسة الثلاثاء 25 مارس 2025 بقصر الحكومة بالقصبة مع كل من وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي و محافظ البنك المركزي فتحي زهير النّوري. لبحث التنقيحات الجديدة. وأوضحت رئيسة الحكومة خلال الجلسة أن التنقيحات ستضمن التصرّف السّليم للمنظومة البنكيّة الوطنيّة,عبر تعزيز السياسات والاستراتيجيّات الإنمائية الوطنيّة وتحفيز الاستثمار والرّفع من القدرة التمويليّة للمؤسّسات الصغرى والمتوسّطة. بالإضافة إلى خلق ديناميكيّة اقتصاديّة مستدامة موجّهة لدعم الاستثمار وخلق الثروة على مستوى كلّ الجهات.
توميديا تواصل مع أهل الاختصاص لمعرفة مميزات التنقيحات الجديدة على القانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلّق بضبط النّظام الأساسي للبنك المركزي التونسي. وتداعياتها على المجال الاقتصادي و خاصة على النمو من جهة و التحكم في التضخم.
الكاتبة والمحللة في الشأن الاقتصادي والتجارة الدولية جنات عبد الله, اعتبرت أن القانون الحالي هو كارثة على تونس وخاصة في فصل 25 الذي فرض استقلالية تامة للبنك المركزي ومنعه التمويل النقدي المباشر للموازنة العامة للدولة. وتحويل هذه المهمة للبنوك المحلية التى أصبحت تقرض الدولة بفائدة قد تصل إلى نحو 10 بالمائة. وهي المهمة التي كانت موكلة سابقة للبنك المركزي منذ بعثه سنة 1958. حيث كانت من مهامه إقراض الدولة بنسبة فائدة صفر بالمائة.
جنات بن عبد الله اعتبرت أن هذا الاقتراض المكلف من البنوك المحلية أصبح يشكل عبء إضافي على الموازنة العامة. وكبدها مبالغ مالية مهمة قدرت سنويا ب6 مليار دينار فوائد على المبلغ الأصلي وفق تقدير المختصة في الشأن الاقتصادي. وهي مبالغ كان يمكن استثمارها في قطاعات اقتصادية مربحة أو لمشاريع تنموية تخلق الثروة.
ولفتت بن عبد الله إلى أن هذا القانون ساهم في إنهاك الدولة وإسقاطها اقتصاديا من خلال تراجع نسب النمو السنوي للاقتصاد وفق وصفها,
أما فيما يخص الفصل 7 من القانون الحالي. فقد وجهت جنات بن عبد الله انتقادا له لأن المشرع في حينه لخص مهمة البنك المركزي فقط في احتواء التضخم من خلال التحرك على نسبة الفائدة المديرية. والحال أن نسبة التضخم تتجاوز البنك المركزي, و تهم أيضا سياسة المالية العمومية للدولة و الإجراءات التي تتخذها الحكومة على النطاق المالي و الإقتصادي. هذا الفصل في المهام أدى إلى ارتفاع نسبة الفائدة المديرية واستقرت في حدود 8 بالمائة وهي نسبة مرتفعة جدا, مقارنة بـ هشاشة الاقتصاد التونسي وفق وصف محدثتنا.
هذه النسبة المرتفعة أثرت بدورها على كتلة الاستثمار و تمويل المشاريع القادرة على خلق الثروة و إحداث مواطن شغل ودفع العجلة الاقتصادية. مما ادى إلى إفلاس الشركات وتراجع الاستثمار.
وختمت الكاتبة المتخصصة في الشأن الاقتصادي و التجارة الدولية جنات بن عبد الله بالسؤال : لماذا لا تقدم الدولة على إلغاء هذا القانون 2016 كليا لما له من انعكاسات سلبية على الاستقرار الاقتصادي لها و على سيادتها المالية. و خططها الاقتصادية المستقبلية. و تحكمها في نسب التضخم. والعمل بالمقابل بقانون 1958 طالما لم يشكل هذا القانون في يوم من الأيام أزمة للدولة؟
أما الأستاذ الجامعي والخبير في الشأن الاقتصادي رضا شكندالي فأراد تقريب الصورة للمتابع من حيث عمل البنك المركزي التونسي . حيث ذهب إلى أن هناك صنفان من البنوك المركزية في العالم بتوجهين مختلفين من حيث القانون الأساسي. الأول هو البنك الأوروبي والذي يمنحه القانون هدفا وحيدا يتمثل في محاربة التضخم المالي عن طريق ضبط السياسة النقدية. وهناك البنك المركزي الفيدرالي الأمريكي والذي يقوم على هدفين محاربة التضخم المالي و العمل على الرفع من النمو الاقتصادي عن طريق دفع الإستثمار.
الشكندالي أوضح أن تونس اختارت المثال الأوروبي في طريقة عمل البنك المركزي وهي محاربة التضخم المالي عن طريق الزيادة في نسب الفائدة. واعتبر أن هذه الطريقة حرمت تونس من الحصول على قروض استهلاك خاصة من المؤسسات الدولية المانحة. وهنا التجأت الدولة إلى الخفض في النفقات عن طريق تحجيم الاستهلاك و أصبح المواطن في هذه الحالة هو المسؤول عن زيادة الأسعار ينضاف إليها استهلاك كبير في الطاقة. ومن خلال هذه المقاربة التي يعمل وفقها البنك المركزي أصبح هناك تضخما ماليا خاصة في السنوات الأخيرة.
كما بين الخبير الاقتصادي أن الوضعية التي وصل إليها الاقتصاد التونسي متأتية أساسا من الخلل في سوق السلع والخدمات بما فيه و غياب واضح للإنتاج. وهذا أثر سلبا على النمو الإقتصادي و تعمقت الأزمة مع انحسار سوق الاستثمار الخاص المشغل لليد العاملة والمولد للثروة.
كما لفت رضا شكندالي أن مناخ الأعمال في تونس يعيق تطور جلب الاستثمارات من خلال عراقيل عدة بيروقراطية و غيرها. ومن هنا نخلص إلى أن الاستهلاك العام للمواطنين ليس هو السبب في ارتفاع نسب التضخم في البلاد. بل متأتي من عراقيل على مستوى الإنتاج. وبذلك تكون المقاربة المتبعة خاطئة. ولذلك وجب على المشرع التونسية أن يضيف هدف ثاني من أهداف البنك المركزي على الطريقة الأمريكية بأن يكون مسؤولية النمو الإقتصادي ليست مسؤولية الدولة فقط بل هي مسؤولية مشتركة و متداخلة مع سياسة البنك المركزي و أهدافه. و أن التضخم المالي ليس مسؤولية البنك المركزي فقط بل هو مسؤولية مشتركة مع سياسات و خطط الدولة التونسية.
وفي هذه الحالة عندما تكون المسؤولية مشتركة بين الدولة والبنك المركزي في النمو و المحاربة التضخم يصبح بإمكان البنك المركزي أن يدرس الوضعية العامة في البلاد عند اقراره ترفيع في نسب الفائدة ويعرف مسبقا أن تلك القارات سوف تضر بقطاعات اخرى مثل الموارد الاستثمارية وتقوم بتعديل نسب الإنتاج وذلك بالتوافق مع خيارات الدولة الاقتصادية حتى لا يقع تضارب و تظهر أزمات اقتصادية تؤثر على سياسة الطرفين.
ويبقى الخيار الأنسب أمام مجلس النواب و الجهة المبادرة بإدخال تنقيح على القانون عدد 35 لسنة 2016 المتعلّق بضبط النّظام الأساسي للبنك المركزي التونسي. مراعاة الموازنات الاقتصادية والقرارات التشريعية في علاقة بعاملين رئيسيين المحافظة على نسبة نمو مقبولة, والتحكم في نسب التضخم المالي و المقدرة الشرائية للمواطن العادي.